مستقبل الشباب في لبنان بين السياسة والواقع: قراءة في الحوار الذي نظمته الجامعة الأميركية للتكنولوجيا (AUT)

نظمت الجامعة الاميركية للتكنولوجيا AUT – حواراً مفتوحاً بين الطلاب الثانويين من عدد من معاهد جبيل كسروان والشمال مع النواب: سليم الصايغ، ندى البستاني، سيمون ابي رميا وسامي فتفت في اوديتوريوم عصام فارس في حرمها في حالات، أدارها المحامي ميشال فلاح، في حضور نائب رئيس الجامعة للعلاقات الخارجية مارسيل حنين ومدراء المدارس المشاركة وأساتذتها وعدد من الدكاترة.

بعد النشيد الوطني وكلمة لمدير الاتصالات في قيادة الجيش العميد البحري جورج الدرزي، حض فلاّح الطلاب للمشاركة في العملية الانتخابية النيابية المقبلة، سواء كمندوبين او رؤساء اقلام وغيرها. ثم تحدث حنين في كلمته عن اهمية مثل هذه الحوارات مع الشباب الذين هم مستقبل الوطن، داعياً اياهم الى “التمسك بوطنهم رغم الصعوبات التي تمر علينا” .وأشار إلى ان “رسالة الـ AUT الوقوف إلى جانب الطلاب لتحصيل المستوى العلمي والسعي لتأمين فرص العمل لهم” .

شكّل هذا اللقاء الحواري مساحة مكثفة لعرض التباينات والتقاطعات في مقاربة مستقبل الشباب اللبناني، حيث اجتمع طلاب من مراحل ثانوية مع عدد من النواب لمناقشة أسئلة تتجاوز التعليم إلى السياسة والاقتصاد والهوية الوطنية. لم يكن النقاش مجرد تبادل آراء، بل عكس بوضوح أزمة جيل يواجه انسداد الأفق، مقابل محاولات سياسية لإعادة إنتاج الأمل ضمن شروط معقدة.

في مداخلته، قدّم النائب سليم الصايغ قراءة تشخيصية لواقع الشباب، معتبراً أن موجة الهجرة التي تسارعت منذ عام 2020 ليست فقط نتيجة الانهيار الاقتصادي، بل تعبير عن فقدان الثقة بالنظام العام والشعور بالعجز أمام بنى سياسية مغلقة. هذا الطرح يضع الأزمة في إطار بنيوي يتجاوز الاقتصاد إلى مسألة الحوكمة والتمثيل، خصوصاً في ظل فشل مزدوج للسلطة والمعارضة في استيعاب ديناميات الشارع التي برزت في انتفاضة 17 تشرين.

في المقابل، شدد على ضرورة تحويل هذه التجربة إلى مادة تحليل أكاديمي لفهم التحولات في وعي الشباب، مع الدعوة إلى إدماجهم في أطر تنظيمية أكثر فاعلية، بما فيها الأحزاب، شرط تطوير دورهم من التعبئة إلى المشاركة الفعلية في القرار.

من زاوية مختلفة، ركزت النائب ندى البستاني على البعد التكويني لمسار الشباب، معتبرة أن التوجيه الأكاديمي والمهني المبكر يشكل ركيزة أساسية في بناء الخيارات المستقبلية. إلا أن مداخلتها حملت أيضاً بعداً بنيوياً في مقاربة تمثيل المرأة، حيث كشفت الأرقام المحدودة لمشاركة النساء في البرلمان والحكومة عن خلل عميق في بنية النظام السياسي والاجتماعي. وبين الطرح المثالي القائم على الكفاءة والواقع الذي يفرض عوائق إضافية أمام النساء، بدت فكرة “الدعم التصحيحي” أو الكوتا كأداة مرحلية لمعالجة اختلال التمثيل، في سياق أوسع يتطلب تمكيناً مهنياً ومجتمعياً متدرجاً.

أما النائب سيمون أبي رميا، فاختار مقاربة مؤسساتية، مستعيداً تجربته في لجنة الشباب والرياضة، حيث أضاء على غياب سياسات شبابية متكاملة في الدولة اللبنانية، مقابل اختزال هذا القطاع تاريخياً في أنشطة هامشية. تجربته في جمع منظمات شبابية من اتجاهات سياسية متناقضة لإقرار وثيقة السياسة الشبابية عام 2012 تعكس إمكانية بناء توافقات عابرة للانقسامات عندما يتعلق الأمر بالقضايا الوطنية المشتركة، مثل السكن والعمل والهجرة. هذا الطرح يعيد تعريف السياسة من صراع هويات إلى إدارة مصالح، وهي نقطة مفصلية في أي مشروع إصلاحي.

بدوره، قدّم النائب السابق سامي فتفت خطاباً نقدياً مباشراً للطبقة السياسية، معتبراً أن القوانين الحالية متقادمة وغير قادرة على مواكبة التحولات، وأن غياب الشباب عن مواقع القرار يكرّس الجمود. ربط فتفت بين الأزمة البنيوية للنظام الطائفي وبين عجز الدولة عن إنتاج سياسات فعالة، مشدداً على أن التغيير يبدأ من المؤسسات التربوية، لكنه لا يكتمل إلا بدخول جيل جديد إلى الحياة السياسية. كما طرح مقاربة اقتصادية-إدارية عبر رفض الخصخصة الكاملة والدعوة إلى نماذج شراكة مثل BOT، في محاولة للتوفيق بين كفاءة الإدارة وملكية الدولة.

ما يجمع هذه المداخلات هو الاعتراف الضمني بأن أزمة الشباب في لبنان ليست قطاعية بل نظامية، تتداخل فيها عناصر الاقتصاد والسياسة والثقافة. الحوار كشف أيضاً فجوة واضحة بين خطاب يدعو إلى المشاركة والانخراط، وواقع لا يزال يحدّ من هذه المشاركة عبر بنى طائفية ومؤسسات ضعيفة. ومع ذلك، فإن مجرد انعقاد هذا النوع من اللقاءات يعكس محاولة لإعادة بناء الجسور بين الجيل الصاعد وصنّاع القرار، ولو ضمن هامش محدود.

في المحصلة، يظهر أن مستقبل الشباب في لبنان سيبقى رهناً بقدرة النظام على إعادة هيكلة نفسه، وبمدى استعداد الشباب للانتقال من موقع الاحتجاج إلى موقع الفعل المنظم. بين هذين المسارين، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة: إما إعادة إنتاج الأزمة بصيغ مختلفة، أو فتح نافذة تدريجية نحو تغيير فعلي تقوده طاقات لم تعد تقبل البقاء على الهامش.

وفي الختام، تم توزيع دروع تقديرية على المشاركين. إشارة إلى ان هذه الحلقة الحوارية هي الثانية بعد التي عقدت منذ أسبوعين، وشارك فيها النائب زياد الحواط والنائب السابق غسان مخيبر.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn

Your Next Chapter Starts Here

I'll help you unlock new opportunities and turn your passion into progress
آخر الإضافات

النشرة البريدية

بريدي من بيروت
اشترك لتصلك رسائل فكرية وأدبية من قلب المدينة.