منع التكنولوجيا: اخر صيحات الخوف في هارفارد

في قاعات جامعة هارفارد، لا تنجح المحاضرات في جذب انتباه الجميع؛ فالطلبة يرسلون الرسائل، يلعبون الألعاب مثل “Minesweeper”، ويبدو أن الصوت الخارج من المحاضر يتلاشى وسط ضوضاء هذه الأجهزة. هذه ليست مشهداً من قصة تشارلي براون، بل هي واقع مؤسف يعكس خللاً في بيئة التعلم. لا حاجة لاستعراض دراسات حول الأثر السلبي للتكنولوجيا في الصفوف—فجائحة كوفيد وما رافقها من حصص افتراضية بعيدة عن الحماس، لا تزال في ذاكرة الجيل الحالي، والآن يتكرر هذا التشتت أمام شاشات الحواسيب المحمولة.

يرى الكاتبة، أميليا ف. بارنم، طالبة في جامعة هارفارد وعضوة في فريق التحرير بصحيفة Crimson، أن الحل سهل وبسيط: منع استخدام الحواسيب المحمولة في القاعات والمحاضرات، ودفع الإدارة لاتخاذ قرار صارم بهذا الشأن، وليس ترك الأمر لسلطة كل أستاذ أو قسم. فقد تبنت إدارة الكلية من قبل قرارات مثل إلغاء خيار تقييم بعض المقررات بنظام النجاح/الرسوب (Pass/Fail)، ودعم أسلوب تقييم أكثر صرامة، بدعوى أن ذلك يشجع الطلاب على التركيز أكثر في عملية التعلم وترك الاهتمام المفرط بالدرجات.

لكن، إذا كان الهدف هو تنمية حب التعلم، فلماذا يتركز الحل على الضغط بالدرجات؟ فحسب بارنم، الطلاب الذين يهوون التفوق الأكاديمي لا يُنغمسون في جوهر التعلم، بل يُوجهون جداولهم نحو المواد سهلة المستوى التي تُضيف إلى سيرتهم الذاتية (مثل لينكدإن). في مقابل ذلك، من شأن حظر الشاشات أن يعزز التفاعل داخل الصف ويُعيد إلى التعليم حضوريته ومنافعه الأصلية.

فالواقع المؤلم أن التعليم داخل القاعة أصبح متسرّعاً ولامبالاتياً: من يريد التعلم يستمع، أما الباقي فيشغل نفسه بالرسائل أو التسوّق أو ألعاب “apple-snake” حتى ينهار. ومع ذلك، حتى أولئك الذين يحرصون على الانتباه يواجهون عقبة: ضغط علامات الزملاء والانغماس في المشتتات أمامهم يجعل التركيز يبدو استثناء. أما مركز ديرك بوك للتعليم بجامعة هارفارد، فيعترف بالمشكلة ويكتفي بتشجيع “استخدام التكنولوجيا بحكمة” لتعزيز المشاركة، دون أن يتبنّى منعاً فعلياً.

وفي فبراير الماضي، اقترحت لجنة جامعية تفعيل سياسات تشدد على منع الهواتف والتكنولوجيا أثناء الحصص، إضافة إلى تشديد سياسة الغياب والتقييم؛ وقد تم بالفعل إدراج الأخيرين في دليل الطالب. فما الذي يعيق الكلية الآن من فرض سياسة خالية من الشاشات في الصفوف؟

للأسف، يبدو أن الخوف من حرمان الطلاب من “مداومتهم على الشاشات” هو ما يوقف القرار؛ فلا أحد يريد أن يُنظر إليه كمن يسحب “المُحفّز” من يد الطالب المدمن. وهكذا، تتلاشى فوائد التعليم الحضوري: اللقاءات الاجتماعية، الانخراط الأعمق بالمواد، وتعلم فن النقد والمخاطبة العامة، وتتم العودة تدريجياً إلى نسخة باهتة وبلا روح من الصف الافتراضي الذي عرفناه خلال الجائحة.

من خلال منع الحواسيب المحمولة في الفصول، يمكن للإدارة أن تكسر الصمت وتعيد للجامعة إحساسها بأنها مكان لمن يقدر التعلم، حيث لا خيار للأستاذ المتهرّب من اتخاذ موقف، وحيث يستعيد الطلاب فرصة التركيز الحقيقي—حتى لو اضطروا للجلوس، الاستماع، وربما التلامس البصري مع الأستاذ وزملائهم، بكل ما ينطوي عليه ذلك من جرأة وانفتاح. التعليم في حرم هارفارد هو امتياز، فلنسمح للابتكارات الرقمية أن تعترض طريقه.

بقلم: أميليا ف. بارنم ’28، محررة في صحيفة Crimson، تقطن في Winthrop House.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn