نظرية الإنترنت الميت: هل سيختفي البشر من العالم الرقمي؟

نُشر هذا المقال في مجلة فوربس (Forbes) بتاريخ 13 تشرين الأول 2025، بقلم الصحافي كونور موراي، ويعرض تحذيرات كلٍّ من مؤسّس “ريديت” ألكسيس أوهانيان، والرئيس التنفيذي لشركة “أوبن أي آي” سام ألتمان، بشأن ما يُعرف بـ نظرية الإنترنت الميت (Dead Internet Theory)، وهي الفرضية التي تقول إنّ الإنترنت لم يعد فضاءً بشريًا خالصًا، بل باتت تهيمن عليه أنظمة الذكاء الاصطناعي والروبوتات الرقمية التي تنتج وتعيد تدوير المحتوى بصورة آلية ومضلّلة.

يتناول المقال بعمق هذا التحوّل المقلق في طبيعة الويب، حيث لم يعد المستخدم قادرًا على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مُولّد آليًا. فوفق تقرير صادر عن شركة الأمن السيبراني Imperva، شكّلت حركة البوتات أكثر من 51% من مجمل حركة الإنترنت في عام 2024، وهي المرّة الأولى منذ عقدٍ من الزمن التي يتجاوز فيها النشاط غير البشري النشاط البشري على الشبكة. وأرجع التقرير السبب إلى الطفرة في أدوات الذكاء الاصطناعي والنماذج اللغوية الضخمة (LLMs) التي سهّلت إنشاء المحتوى الزائف ونشره على نطاق واسع.

يشير أوهانيان في منشورات متكررة على منصة X (تويتر سابقًا) إلى أنّ “نظرية الإنترنت الميت” لم تعد مجرّد فكرة هامشية، بل واقع ملموس، إذ يرى أنّ معظم ما نراه اليوم على الإنترنت هو في الأصل محتوى آلي أو معاد إنتاجه بواسطة الذكاء الاصطناعي. وقد أكد خلال ندوة لجريدة Wall Street Journal أنّ الشبكات الاجتماعية تحوّلت إلى “أنظمة مضاعفة للزيف” تتغذّى على التفاعل الاصطناعي وتغرق في دوامة من الصور والمنشورات المولّدة آليًا.

أما سام ألتمان، فعبّر عن قلقٍ مماثل، قائلاً إنه “لم يكن يأخذ نظرية الإنترنت الميت على محمل الجدّ في السابق، لكنّ ما يراه الآن من انتشار الحسابات المدارة بالنماذج اللغوية يجعله يعيد التفكير بالأمر”. هذا الاعتراف من أحد أبرز رواد الذكاء الاصطناعي يضفي شرعية على فكرة كانت تُعدّ في الماضي نظرية مؤامرة.

ويستشهد المقال بعدد من الباحثين الذين حذروا من تآكل “الطابع الإنساني” للإنترنت. ففي دراسة نُشرت بجامعات سويسرية عام 2023، أقرّ الأكاديميون بأنّ النظرية التي كانت “تخمينًا” قبل عقد أصبحت قابلة للملاحظة اليوم بشكل مباشر، حيث صار من الصعب التفريق بين المحتوى البشري والمحتوى الآلي، خصوصًا بعد انتشار تقنيات “التزييف العميق” (Deepfakes). كما يشير باحثون من جامعة ملبورن إلى ما وصفوه بـ “دائرة التفاعل المصطنع”، حيث تنشئ البوتات صورًا أو منشورات يتم تعزيزها وإعادة نشرها بواسطة حسابات أخرى تعمل بالذكاء الاصطناعي، في دورةٍ مغلقة تكاد تستبعد الإنسان تمامًا.

وتتعمّق الظاهرة أكثر مع التغييرات التي أجراها إيلون ماسك على منصة X، إذ جعل من المربّع الأزرق (العلامة الموثّقة) مصدر ربحٍ لكل من يحقق معدلات تفاعل عالية، الأمر الذي دفع إلى “تحويل التفاعل الاصطناعي إلى نشاط مربح” كما يقول المحرر التقني في صحيفة The Guardian. وهكذا أصبحت البيئة الرقمية مهيأة لانتشار روبوتات تلاحق المحتوى الرائج وتعيد إنتاجه بلا توقف.

ويختتم المقال بالإشارة إلى مفارقة مثيرة: في الوقت الذي نحسب فيه أننا أكثر اتصالًا من أي وقت مضى، يغدو الإنترنت، وفق هذه النظرية، أقل حياةً وأكثر عزلةً عن البشر. فالعالم الافتراضي الذي بدأ كمنصة للتواصل البشري قد يتحوّل تدريجيًا إلى منظومة مغلقة من الخوارزميات تتحدث إلى نفسها، في عالمٍ يبدو مأهولًا لكنه في جوهره “ميت”.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn