نُشر هذا المقال في صحيفة Arizona Daily Star الأميركية، بتاريخ 10 كانون الأول/ديسمبر 2025، بقلم Gerald Webber، ضمن محتوى تحليلي مدفوع يواكب النقاش المتصاعد حول مستقبل التعليم الجامعي ومسارات النجاح المهني في الولايات المتحدة.
يعالج المقال تحوّلًا لافتًا في النظرة التقليدية إلى الشهادة الجامعية بوصفها المسار الأكثر أمانًا للاستقرار الوظيفي والنمو طويل الأمد، ويضع هذا التصور في مواجهة معطيات اقتصادية واجتماعية جديدة. فارتفاع تكاليف التعليم الجامعي بوتيرة تفوق نمو الأجور، إلى جانب تبدّل احتياجات سوق العمل، يدفعان الأفراد والعائلات إلى إعادة تقييم جدوى الالتحاق بالجامعة، ليس من زاوية القيمة المعنوية فقط، بل من منظور العائد الاقتصادي والاستدامة المالية.
ويستند المقال إلى دراسة حديثة صادرة عن Skillit تُظهر تغيّرًا ملموسًا في الرأي العام، حيث يتزايد الاهتمام بالمسارات المهنية غير الجامعية، ولا سيما المهن الحِرَفية والتدريب القائم على المهارات.يبرز المقال أن قرار التعليم لم يعد قرارًا ثقافيًا أو اجتماعيًا بحتًا، بل بات قرارًا اقتصاديًا محسوبًا. كثير من المشاركين في الدراسة يرون أن المسارات غير المعتمدة على الشهادة الجامعية توفّر إمكانات دخل قوية من دون أعباء الديون الطويلة الأمد، وهو ما يجعلها خيارًا عقلانيًا في بيئة اقتصادية تتسم بعدم اليقين.
كما يشير النص إلى أن النقص المزمن في العمالة الماهرة في قطاعات تقنية وحِرَفية عدة خلق اختلالًا بين العرض والطلب، ما انعكس أجورًا أعلى، وفرص ترقٍ أسرع، واستقرارًا مهنيًا أكثر وضوحًا، مقارنة ببعض المهن التي تتطلب شهادات جامعية مكلفة.
يلقي المقال ضوءًا خاصًا على دور الأجيال الشابة في إعادة تعريف مفهوم النجاح. فالمسارات غير الجامعية، التي لطالما وُصمت اجتماعيًا باعتبارها خيارًا أدنى، تشهد اليوم إعادة اعتبار واسعة. كثير من الشباب باتوا يفضّلون التعلّم التطبيقي، والدخول المبكر إلى سوق العمل، واكتساب الاستقلال المالي، بدل انتظار سنوات طويلة من الدراسة المموّلة بالديون.
وتكشف نتائج Skillit أن هذه الفئة تقدّر المرونة، والمهارات القابلة للتطبيق الفوري، والمسارات الواضحة للترقي، وهو ما يعكس تحوّلًا ثقافيًا أعمق يضع الاستقلالية والنتائج العملية في صلب القرار المهني.
في موازاة ذلك، يناقش المقال كيف بدأت الشركات نفسها بتعديل معايير التوظيف. فالنقص في الكفاءات المتخصصة يدفع العديد من أرباب العمل إلى تقليص اشتراط الشهادة الجامعية، والتركيز بدلًا من ذلك على الخبرة العملية، والتدريب الموثّق، والشهادات المهنية. وتُظهر الدراسة أن القدرة المثبتة على الإنجاز، في كثير من الحالات، باتت مؤشرًا أدق على الكفاءة من المؤهل الأكاديمي النظري، خصوصًا في الوظائف التي لا تتطلب أساسًا تعليمًا جامعيًا تقليديًا.
ويخلص المقال إلى أن ما نشهده ليس تراجعًا في قيمة التعليم العالي بقدر ما هو توسّع في تعريف النجاح. فالشهادة الجامعية لا تزال ضرورية في مهن عديدة، لكنها لم تعد النموذج الوحيد للارتقاء الاجتماعي والاقتصادي.
هذا التحوّل يفتح الباب أمام دعم أوسع لبرامج التدريب، والتلمذة المهنية، والمسارات المعتمدة على الشهادات المتخصصة، بوصفها أدوات فعّالة لتلبية حاجات السوق وتوفير فرص مستدامة.
وبهذا المعنى، يرسّخ المقال فكرة محورية مفادها أن النجاح اليوم لم يعد محصورًا في نموذج تعليمي واحد، بل في المسار الذي يوفّر عملًا ذا معنى، ومهارات حقيقية، وفرصًا طويلة الأمد، وهو ما يعيد طرح السؤال الجوهري: هل أصبح التعليم الجامعي خيارًا لا ضرورة؟



