مداخلة المهندس علي احمد في مؤتمر الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي

في المؤتمر الذي أقيم برعاية وزير المهجرين والتكنولوجيا الدكتور كمال شحادة، وبحضور سماحة مفتي زحلة والبقاع الشيخ الدكتور علي الغزاوي واستضافته ونظمته ازهر البقاع، قدم المهندس علي احمد، رئيس لجنة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في ازهر البقاع، مداخلة شاملة حول الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي هذا نصها:

الذكاء الاصطناعي رحلة طويلة من الماضي إلى المستقبل، رحلة بدأت بفكرة بسيطة مفادها أن الآلة قد تحاكي العقل البشري، ووصلت اليوم إلى مرحلة باتت فيها التطبيقات الذكية جزءاً من تفاصيل حياتنا اليومية.

عندما نتحدث عن الذكاء الاصطناعي فنحن نعني قدرة الأنظمة الرقمية والآلات على تقليد الذكاء البشري بدرجات متفاوتة، من دون أن يعني ذلك أنها تفكر أو تشعر مثلنا.

لكنها تستطيع القيام بمهام نحتاج فيها عادةً إلى العقل، مثل التعرف على الكلام وتحويله إلى نصوص وفهم الأوامر الصوتية، أو التعلم من التجربة وتحسين الأداء مع الوقت بفضل البيانات، أو اتخاذ قرارات عملية كاختيار أفضل طريق في تطبيقات الملاحة، أو حل مشكلات معقدة كتشخيص الأعطال في المصانع أو تقديم توصيات مالية. والحقيقة أن معظم الناس يستعملون هذه القدرات يومياً من دون أن ينتبهوا: عندما يسألون سيري أو أليكسا، أو يتلقون توصية من نتفلكس، أو يشاهدون سيارة ذاتية القيادة، فهم يتفاعلون مباشرة مع الذكاء الاصطناعي.

لهذه الرحلة محطات بارزة صنعت تاريخ الذكاء الاصطناعي. عام 1950 طرح آلان تورينغ فكرة اختبار يقيس قدرة الحاسوب على التصرف بطريقة لا يمكن تمييزها عن الإنسان في محادثة طبيعية، وكان ذلك الانطلاق الحقيقي للسؤال: هل يمكن للآلة أن تفكر؟ بعد سنوات قليلة، وتحديداً عام 1956، انعقد مؤتمر دارتموث حيث استخدم لأول مرة مصطلح “الذكاء الاصطناعي”، وهو ما اعتُبر الولادة الرسمية لهذا الحقل كعلم أكاديمي.

عام 1997 جاء الإنجاز الكبير حين هزم حاسوب “ديب بلو” من IBM بطل العالم في الشطرنج غاري كاسباروف، في لحظة تاريخية أثبتت أن الآلة قادرة على التفوق على الإنسان في مهام بالغة التعقيد. أما عام 2012 فكان بداية ثورة التعلم العميق مع الشبكات العصبية العميقة وازدياد القدرة الحاسوبية، حيث فازت الخوارزميات بمسابقة ImageNet وأصبحت قادرة على التعرف على الصور والأصوات بدقة عالية. واليوم نعيش في عصر التطبيقات الذكية: روبوتات تتحرك وتتفاعل، سيارات ذاتية القيادة، أدوات محادثة مثل ChatGPT، وهي مظاهر لتقدم سريع لم يتوقف بعد.

من الناحية النظرية والعملية، يمكن الحديث عن ثلاثة أنواع من الذكاء الاصطناعي. هناك أولاً الذكاء الاصطناعي الضيق أو المتخصص، وهو الأكثر شيوعاً اليوم، ومخصص لمهام محددة مثل التعرف على الوجه أو الترجمة الآلية أو تحليل بيانات طبية. المساعد الذكي من جوجل مثال حي، إذ يستطيع الرد على أسئلتك لكنه لا يقود سيارة ولا يجري عملية جراحية.

ثم هناك الذكاء الاصطناعي العام، وهو ما يزال في إطار الفرضية، ويفترض أن يتمتع بقدرات شبيهة بالعقل البشري تشمل الفهم والتفكير النقدي والتكيف مع مواقف جديدة. ولو تحقق هذا النوع، فسنرى أنظمة تفكر بطريقة شاملة مثل البشر.

وأخيراً الذكاء الاصطناعي الفائق، وهو مستوى يتجاوز الإنسان في كل المجالات: المنطق والإبداع والمشاعر وحتى القرارات الأخلاقية، ولا يزال اليوم خيالاً علمياً لكنه يثير مخاوف مشروعة حول مستقبل السيطرة على الآلات.ولأن هذه القدرات تحمل في طياتها مخاطر، وضعت الأبحاث والممارسات مجموعة مبادئ أخلاقية يفترض الالتزام بها. أولها أن تكون المنفعة الاجتماعية هي الهدف، أي أن يساهم الذكاء الاصطناعي في تحسين حياة الناس في الصحة والتعليم والبيئة. وثانيها ضرورة منع التحيز، فالنظام الذي يتغذى على بيانات منحازة سيعيد إنتاج الانحياز نفسه، وهو أمر خطير في مجالات حساسة مثل التوظيف أو العدالة. أما ثالثها فهو السلامة والموثوقية، مثلما تختبر الطائرات بدقة قبل إقلاعها، يجب اختبار الأنظمة جيداً قبل دخولها المستشفيات أو السيارات. رابعها المساءلة البشرية، فلا بد من جهة أو شخص يتحمل المسؤولية عن قرارات النظام. خامسها حماية الخصوصية، عبر شفافية جمع البيانات ومنح المستخدمين حق التحكم فيها. وسادسها التميز العلمي، أي اعتماد أبحاث وتجارب دقيقة لا الاكتفاء بادعاءات تسويقية. وسابعها الالتزام بالقيم الإنسانية، أي رفض أي استخدام يتعارض مع الأخلاق مثل المراقبة الاستبدادية أو التلاعب الاجتماعي.أما على مستوى الاستخدامات، فالذكاء الاصطناعي أحدث نقلة نوعية.

في الرعاية الصحية بات قادراً على تحليل صور الأشعة للكشف المبكر عن الأمراض كالسرطان، والمساعدة في تطوير أدوية جديدة بخوارزميات المحاكاة، ومراقبة المرضى عبر أجهزة استشعار ذكية، ودعم الأطباء في اتخاذ قرارات علاجية دقيقة.

في الزراعة يُستخدم لمراقبة المحاصيل بالطائرات المسيّرة واكتشاف الأمراض النباتية، والتنبؤ بالطقس لمساعدة المزارعين على التخطيط، واعتماد أنظمة ري ذكية توفر المياه وتزيد الإنتاجية، وحتى تحليل بيانات التربة لاختيار أنسب المحاصيل.

أما في التأمين فيساعد على تحليل بيانات العملاء لتحديد مستويات المخاطر بدقة، ويكتشف محاولات الاحتيال بسرعة، ويسرّع معالجة طلبات التعويض بالأتمتة، ويتيح تصميم منتجات تأمينية مخصصة لكل عميل.هذه الاستخدامات تترجم فوائد واضحة: السرعة والكفاءة بإنجاز الأعمال في دقائق بدل أيام، القدرة على تحليل البيانات الضخمة واكتشاف أنماط لا يراها البشر، وتعزيز السلامة من مراقبة الآلات الصناعية إلى حماية السائقين من الحوادث.

لكنها في الوقت نفسه تطرح تحديات لا يمكن تجاهلها: فقدان الوظائف التقليدية إذا لم تُعتمد سياسات لإعادة التأهيل والتدريب، وخطر التحيز الذي قد يرسخ الظلم بدل أن يحله، ومخاوف الخصوصية والأخلاقيات التي ترافق جمع البيانات واستخدامها.ومن النقاشات المثيرة التي يثيرها هذا المجال السؤال حول إمكانية استبدال رجال الدين بروبوتات أو أنظمة ذكاء اصطناعي.

المؤيدون يرون أن الروبوت حيادي وبعيد عن الانحيازات البشرية، قادر على الإجابة عن ملايين الأسئلة بسرعة ودقة، ويسهّل وصول الناس إلى الفتاوى والمعلومات. أما المعارضون فيعتبرون أن الدين قائم على الروحانية والعاطفة، وأن رجل الدين لا ينقل المعرفة فقط بل يعيش التجربة الإيمانية مع الناس، وأن الاعتماد على آلة في قضايا أخلاقية وروحية عميقة ينطوي على مخاطر كبيرة.

مثل هذه الأفكار لا يمكن الحسم فيها بسهولة، ولذلك يظل دور مراكز الأبحاث أساسياً لدراسة هذه القضايا من منظور علمي وفلسفي وأخلاقي، فيما يبقى القرار النهائي موضوعاً للنقاش المجتمعي والأكاديمي.في النهاية، الذكاء الاصطناعي قوة هائلة تُغير العالم، يحمل في داخله فوائد عظيمة لكنه يطرح أيضاً أسئلة عميقة، ليس فقط حول الوظائف والبيانات، بل حتى حول الإيمان والقيم الإنسانية. لذلك فإن تطويره واستخدامه لا يمكن أن يكونا معزولين عن الحوار بين العلماء ورجال الدين والمجتمع، لضمان أن يبقى الذكاء الاصطناعي خادماً للإنسانية لا سيداً عليها.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn