مع تسارع التطور في مجال الذكاء الاصطناعي واتساع تأثيره على مختلف جوانب الحياة الإنسانية، يبرز التعليم كأحد أهم القطاعات التي تحتاج إلى إعادة تفكير جذرية. فالتحدي لم يعد مقتصرًا على تحديث المناهج أو إدخال الوسائل الحديثة في الصفوف، بل أصبح مرتبطًا بإعادة النظر في أساليب تقييم فعالية التعليم نفسها، والتأكد من أنّ الأهداف التربوية ما زالت متناغمة مع متطلبات هذا العصر الجديد الذي أصبح موجَّهًا بالذكاء الاصطناعي.
لطالما كان التعليم ركيزة أساسية في نهضة الشعوب وبناء الحضارات، ورافعة للتنمية الفكرية والاجتماعية والاقتصادية. وبالنظر إلى الكلفة العالية للتعليم ماديًا وبشريًا وزمنيًا، برزت الحاجة إلى وجود أدوات علمية دقيقة لقياس جدوى العملية التعليمية ونتائجها الفعلية. وقد تميّز نموذج كيركباتريك، الذي طُوِّر عام 1959، بكونه أحد أوّل الأطر الشاملة لقياس فعالية التدريب في المؤسسات الإنتاجية، قبل أن يُعاد توظيفه لاحقًا في البيئات التعليمية كالمدارس والجامعات.
تقوم قوة هذا النموذج على كونه يقيس التعليم عبر أربعة مستويات مترابطة تنتقل من السطح إلى العمق: يبدأ بقياس ردّة فعل المتعلم تجاه التجربة التعليمية، ثم ينتقل إلى درجة التعلّم واكتساب المهارات والمعرفة، قبل أن يقيس التغيير السلوكي الناتج عن التعلّم، وينتهي عند النتائج النهائية التي تظهر على مستوى الفرد والمؤسسة والمجتمع.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ما زال نموذج كيركباتريك عمليًا وملائمًا لعصر الذكاء الاصطناعي؟ ففي الوقت الذي تختصر فيه أدوات التعلّم الذكية الزمن، وتُيسّر الوصول إلى المعرفة بضغطة زر، يبرز تحدٍّ جديد يتعلق بعمق التحول السلوكي. فقد أجمع الباحثون لعقود على أن إتقان أي مهارة يتطلب آلاف الساعات من الممارسة، فهل يمكن للتعلّم السريع المدعوم بالخوارزميات أن يُنتج الخبرة السلوكية ذاتها؟ وهل يمكن قياس التعلّم في زمن الذكاء الاصطناعي بالأدوات نفسها التي وُضعت قبل ستة عقود؟
إن مستقبل نموذج كيركباتريك لا يقتضي إلغاءه بقدر ما يتطلب تطويرًا في آلياته ومنطقه ووسائل قياسه. ففي عصرٍ باتت فيه البيانات الضخمة والتعلّم الآلي وتحليل السلوك أدوات متاحة، يمكن إعادة إحياء النموذج عبر بناء نسخة أكثر قدرة على مواكبة التعلم الرقمي. ولعل أبرز مسارات التطوير تتمثل في الانتقال من قياس اللحظة إلى قياس المسار، بحيث لا يقتصر التقييم على نهاية التجربة، بل يتتبع رحلة التعلم لحظة بلحظة عبر الأنظمة التكيفية المدعومة بالذكاء الاصطناعي. كما يصبح من الضروري توسيع مفهوم السلوك ليشمل السلوك الرقمي، بما يعكس قدرة المتعلم على التحقق من المعلومات وتوظيف الأدوات الذكية بوعي ومسؤولية.
وإلى جانب ذلك، يمكن إضافة مستوى خامس جديد إلى النموذج، يُعنى بقياس الأثر المجتمعي طويل الأمد للتعليم في بيئة تتغير فيها المهارات المطلوبة بسرعة غير مسبوقة. ويسهم هذا المستوى في قياس قدرة التعليم على خلق مواطن مفكّر ومبدع ومتكيّف مع متطلبات المستقبل، بدل التركيز حصراً على المهارات الوظيفية المباشرة. كذلك، يتيح دمج التحليل التنبّئي في عملية التقييم استخدام الذكاء الاصطناعي لاستشراف نتائج المسار التعليمي مستقبلًا، وبناء تدخلات مبكرة تعالج الخلل قبل وقوعه.
إن هذه التحولات لا تُلغي روح نموذج كيركباتريك بل ترتقي به من أداة تقييم ساكنة، إلى إطار ديناميكي حيّ يقيس ويحلّل ويصحّح المسار التعليمي باستمرار، بما يتوافق مع فلسفة الذكاء الاصطناعي التي لا ترى التعلّم حدثًا منفصلًا، بل عملية مستمرة تتجدد مع كل تجربة معرفة وتفاعل رقمي.
إن إعادة التفكير في نموذج كيركباتريك لم تعد ترفًا أكاديميًا، بل ضرورة لفهم كيف يُعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل مفهوم فعالية التعليم نفسه، في عالم تتغيّر فيه مصادر المعرفة وأنماط التعلّم وسلوك المتعلمين بوتيرة غير مسبوقة. لقد أصبح السؤال اليوم أعمق من “كيف نعلّم؟”، لينتقل إلى “كيف نقيس الأثر الحقيقي للتعليم في زمنٍ يختصر المعرفة ولا يختصر النضج؟”.



