أقدمت جامعة أوهايو على إيقاف القبول في 11 برنامجًا أكاديميًا واقتراح دمج 18 برنامجًا آخر، التزامًا بقانون مجلس الشيوخ في أوهايو المعروف باسم Senate Bill 1. ينص القانون على أنّ أي برنامج جامعي لا يتخرج منه في المتوسط خمسة طلاب سنويًا خلال السنوات الثلاث الأخيرة يُعتبر غير قابل للاستمرار.
القرار استند إذن إلى معيار رقمي صرف: عدد المسجلين والخريجين. لكن هذه المقاربة، التي فرضها التشريع الجديد، تثير أسئلة جوهرية حول معنى التعليم الجامعي ودوره.
فمعظم البرامج التي أُلغيت ليست تخصصات هامشية أو ضعيفة، بل هي ركائز معرفية وثقافية في أي مؤسسة أكاديمية جادة. من بينها بكالوريوس الآداب في الكيمياء، الفيزياء، والرياضيات، إضافة إلى تخصصات مثل التاريخ الفني، الدراسات الدينية، الدراسات الأمريكية الأفريقية، الموسيقى، الرقص، والجغرافيا.
هذه الحقول لا تقاس قيمتها بعدد الملتحقين فقط، بل بما تقدمه من عمق علمي وإرث فكري، وما ترفده به من قدرة على التفكير النقدي والإبداعي، وهي عناصر لا تُختزل في أرقام التسجيل.
إنّ الجامعات، حين تكتفي بمقاربة تعليمها بمنطق السوق، تُفرّغ رسالتها من بعدها الأوسع، وتتحول إلى مؤسسات تدريب مهني قصير الأمد بدل أن تكون فضاءً لإنتاج المعرفة وصون التراث العلمي والثقافي. فكيف يمكن لجامعة عريقة أن تستغني عن الفلسفة أو الدراسات الدينية أو الموسيقى لمجرد أن أعداد الخريجين منها محدودة؟ وكيف تُقاس جدوى هذه البرامج دون النظر إلى أثرها على الثقافة المجتمعية، وعلى تنمية القدرة النقدية، وعلى رفد البحث العلمي بأدوات أساسية؟
صحيح أن القانون أتاح للجامعة أن تطلب إعفاءً لبعض البرامج “الفريدة” أو “المرتبطة بحاجات سوق العمل”، وقد فعلت ذلك في سبعة تخصصات مثل الاقتصاد والتغذية والعلاج بالموسيقى. لكن المفارقة تبقى في أن باقي الحقول، رغم أهميتها التاريخية والمعرفية، حُكم عليها بالاندثار أو الاندماج القسري.
وقد أشار تقرير NBC4i، الذي غطى تفاصيل القرار، إلى أنّ جامعة أوهايو أكدت للطلاب الحاليين حقهم في استكمال دراستهم حتى التخرج. لكن تبقى المشكلة في المستقبل: أجيال جديدة لن تجد أبواب هذه البرامج مفتوحة أمامها، ما يشكل خسارة للجامعة، وللمجتمع، وللفكر العلمي والإنساني معًا.
الرهان على العدد وحده لا يصنع جامعات عظيمة. الجامعات العريقة عالميًا تحتفظ بتخصصات صغيرة قد لا تستقطب سوى قلة من الطلاب سنويًا، لكنها تمثل روح المؤسسة الأكاديمية وعمقها. وبغياب هذه البرامج، يتحول التعليم إلى سلعة، وتفقد الجامعة جزءًا من هويتها، في وقت نحن فيه أحوج ما نكون إلى إعادة الاعتبار للمعرفة كقيمة قائمة بذاتها، لا كخدمة تُقاس بمدى الإقبال عليها.



