نشرت The Conversation مقالًا يناقش التحول الذي تشهده بعض الجامعات نحو الاستغناء عن المحاضرات الحضورية التقليدية، موضحًا أن هذا التوجه ليس بالضرورة أمرًا سلبيًا.
فالجدل بدأ مع احتجاج طلاب جامعة أديلايد المندمجة حديثًا، دفاعًا عن أهمية المحاضرات الوجاهية في خلق شعور بالانتماء المجتمعي والحياة الجامعية.
في المقابل، أكدت إدارة الجامعة أنها لن تلغي المحاضرات كليًا، لكنها ستعيد تصميمها لتواكب أبحاثًا حديثة حول أساليب التعلم، من خلال إدماج النقاشات، الاختبارات القصيرة، أو أنماط التعلم الذاتي، بحيث تتنوع التجربة بين الحضور المباشر والتعلم عبر الإنترنت حسب كل مادة وتخصص.
المقال يذكّر بأن المحاضرة ليست صيغة أبدية؛ فقد بدأت في اليونان القديمة كمنبر للحوار وتبادل المعرفة، وتحولت في العصور الوسطى إلى قراءة مباشرة من الكتب، قبل أن تصبح لاحقًا ركنًا أساسيًا في الحياة الجامعية إلى جانب المختبرات والجلسات التطبيقية.
لكن التطور التكنولوجي قلب المعادلة، فلم يعد الطالب مضطرًا للتواجد جسديًا لسماع المحاضر، إذ فرضت جائحة كورونا تسريعًا غير مسبوق لاعتماد التعليم عبر الإنترنت، ما جعل بعض الجامعات تواصل الجمع بين النمطين أو تميل أكثر إلى الصيغ الرقمية.
الطلاب أنفسهم تغيّروا أيضًا. فالكثير منهم يعيش بعيدًا عن الحرم الجامعي أو يتحمل مسؤوليات مهنية وأسرية تجعل الحضور المنتظم صعبًا. نحو 40% من طلاب البكالوريوس المحليين في أستراليا ينتمون إلى خلفيات اجتماعية واقتصادية ضعيفة، أو يأتون من مناطق ريفية، أو يعانون من إعاقات.
ومع ازدياد الحاجة للتوفيق بين العمل والدراسة، يصبح الوصول المرن للمحتوى ضرورة وليس ترفًا.المقال يعرض أبحاثًا تبين أن التعلم الفعّال يتطلب طرقًا أكثر تفاعلية من مجرد تلقي المعرفة بشكل سلبي. فالطلاب يحتاجون إلى إمكانية مشاهدة المحاضرات وتكرارها بالوتيرة التي تناسبهم، ويفضّلون مقاطع قصيرة مركزة بدل جلسات مطولة.
كما أن المحتوى المسجّل يتيح فرصًا أوسع للطلاب ذوي أنماط التعلم المختلفة أو ذوي الاحتياجات الخاصة، مثل من يعانون من اضطراب فرط الحركة أو ضعف التركيز، أو من يدرسون بلغة ثانية.لكن يبقى التحدي في الجانب الاجتماعي.
فالجامعة ليست مكانًا لاكتساب المعرفة فقط، بل فضاء لبناء الصداقات والشعور بالانتماء. هنا يقترح المقال حلولًا عملية مثل تخصيص وقت للتعارف في بداية الحصص الافتراضية، استخدام غرف النقاش الصغيرة عبر الإنترنت، المنتديات، ولوحات الإعلان الإلكترونية لتشجيع التفاعل الجماعي.
ويخلص الكاتب إلى أن المحاضرة الحضورية لم تعد الشكل الأوحد أو الأفضل للتعليم الجامعي، بل صارت جزءًا من منظومة متنوعة تستفيد من التكنولوجيا وتتكيف مع ظروف الطلاب المتغيرة. وكما تخلت الجامعات عن الأزياء الرسمية القديمة للأساتذة، فهي مدعوة اليوم لإعادة ابتكار طرائق التعليم بما يحقق التوازن بين جودة المعرفة ومرونة الوصول والانخراط الاجتماعي.



