انهيار شركات الاستشارات الكبرى: تضخم التكاليف وعصر الذكاء الاصطناعي يغيّران قواعد اللعبة

نشرت The Free Press مقالًا للكاتب جو نوسيرا تناول فيه أزمة وشيكة تهدد قطاع الاستشارات الكبرى في العالم. الفكرة المحورية أن هذه الصناعة التي لطالما اعتُبرت رافعة للشركات الكبرى باتت اليوم عبئًا متضخمًا، باهظ التكلفة، ومتأخرًا عن ركب الذكاء الاصطناعي. يوضح المقال أن شركات مثل ماكينزي وباين وديلويت وبرايس ووترهاوس كوبرز ازدهرت منذ الثمانينيات عندما احتاجت المؤسسات إلى خبراء يسهّلون عمليات الاندماج، ويقومون بمهام قاسية كالتسريح أو إعادة الهيكلة.

لكن مع بداية التسعينيات تضاءلت الحاجة، ومع ذلك استمرت هذه الشركات في التوسع والإقناع بمشاريع جديدة لضمان عقود طويلة الأمد، ما حوّلها تدريجيًا إلى ما يصفه بيتر ثيل بـ”الخدعة”.الأمثلة التي يسردها المقال كثيرة: استشارات بملايين الدولارات لم تنقذ اندماج AOL وTime Warner، أو مشروع CNN+ الذي انهار بعد شهر من إطلاقه، فضلًا عن دور ماكينزي في مضاعفة مبيعات الأفيونيات لدى Purdue Pharma وما تبع ذلك من تسويات قانونية ضخمة.

هذه الحالات تظهر أن فشل الاستشارات لا ينعكس على الشركات الاستشارية نفسها التي حققت أرباحًا قياسية في السنوات الأخيرة. جزء من استمرارها كان مرتبطًا بثقافة “التغطية” حيث يتعاقد الرؤساء التنفيذيون معها لتبرير القرارات، حتى لو كانت النتائج سيئة، لأن أحدًا لا يُلام على الاستعانة بماكينزي.

لكن الظروف تغيّرت اليوم مع عاملين أساسيين. الأول هو حملة إدارة ترامب على عقود الاستشارات الحكومية، حيث ألغيت آلاف العقود بمليارات الدولارات، وطُلب من الشركات خفض تكاليفها وتقديم نتائج ملموسة بلغة مفهومة. هذه السياسة أجبرت شركات مثل ديلويت وبوز ألن على تسريح موظفين، وتراجعت أسهمها في السوق بشكل حاد. أما العامل الثاني فهو الذكاء الاصطناعي الذي صار قادرًا على إنجاز تحليلات استراتيجية معقدة مثل SWOT في دقائق، بعدما كانت تستغرق أسابيع من فرق استشارية كاملة.

هذا التحول يغير الاقتصاديات كليًا ويجعل الشركات تفكر في تقليص اعتمادها على الاستشارات الخارجية أو التحول إلى عقود قائمة على النتائج بدلًا من الوقت والموارد.المقال يقارن وضع الاستشارات بما حدث للصحف أو التلفزيون بعد دخول الإنترنت، حيث لم تختفِ الصناعة لكنها فقدت كثيرًا من نفوذها وأرباحها.

مستقبل الاستشارات يبدو مشابهًا: ستبقى موجودة ولكن بصورة أصغر وأقل ربحية، وستفقد جاذبيتها كخيار أول لخريجي كليات إدارة الأعمال. الخبراء الحقيقيون قد يتجهون إلى تأسيس مكاتب صغيرة ومستقلة بدلًا من العمل في مؤسسات ضخمة مثقلة بالتكاليف. الفارق الجوهري أن “المعرفة” التي كانت سلعة أساسية لشركات الاستشارات أصبحت اليوم متاحة بفضل الذكاء الاصطناعي، ما يعني أن النموذج التقليدي الذي ازدهر لعقود لم يعد صالحًا.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn