نشرت مجلة اسواق العرب اللندنية مقال بقلم د. بيار الخوري، يقدّم قراءة فكرية عميقة في معنى القوة الأميركية من زاوية مختلفة، لا كقوة سياسية أو عسكرية، بل كنتاج لمسار طويل من صناعة المعرفة.
يرى الكاتب أن سرّ أميركا الحقيقي لا يكمن في ثرواتها الطبيعية ولا في هيمنتها الاقتصادية، بل في قدرتها على تحويل العقول إلى رأسمالٍ منتج، وعلى جعل العلم والتفكير النقديّ حجر الأساس في مشروعها الحضاري. هذه الرؤية تتجلّى في المشهد الذي تناوله المقال: استقبال الرئيس الأميركي لفريقٍ فائزٍ في بطولة عالمية للفيزياء يضمّ شبانًا من أصول آسيوية وأوروبية شرقية وهندية. هذا المشهد، برأي الخوري، يُظهر أن “أميركا الحقيقية” ليست التي ترفع شعار “أميركا للأميركيين”، بل التي تُبنى على احتضان المبدعين من كلّ أنحاء العالم، لأنهم وقود صناعة المعرفة ومحرّك التطوّر المستدام.
ويشرح المقال أن جوهر النموذج الأميركي يقوم على فكرة «الجدارة» لا العِرق، وأنّ القوة الحقيقية تولد من بيئة تحتضن الفكر وتتيح له أن يزدهر. فحين يتحوّل التعليم إلى مشروع وطنيّ، والبحث العلمي إلى أداةٍ لبناء المستقبل، تصبح الدولة قادرة على تجديد نفسها باستمرار. من هنا، يرى الكاتب أن تفوّق أميركا لا يعود إلى صدفة تاريخية، بل إلى منظومةٍ مؤسساتيةٍ متكاملة جعلت من الجامعة والمختبر أهمّ من القصر الرئاسيّ نفسه.
لكن الخوري يحذّر من الانزلاق إلى الخطابات القومية الضيقة، لأنها تهدّد هذا النموذج من الداخل، وتحول “وطن العقول” إلى وطنٍ منقسم. فالرهان الحقيقي، كما يؤكد، هو على إبقاء العلم في صدارة الهوية الأميركية، لأن من يمتلك المعرفة يمتلك القرار والمستقبل معًا.إنّ الرسالة المحورية للمقال أن الدول التي تصنع المعرفة تصنع ذاتها، وأنّ العقول هي الثروة الوحيدة التي لا تُسرق ولا تُورَّث، بل تُبنى وتُنمّى. وهكذا، فإنّ أميركا القوية هي التي تواصل الاستثمار في الإنسان باعتباره المشروع الأهمّ في تاريخها.



