نُشر هذا المقال في موقعي أسواق العرب والملف الاستراتيجي بقلم الكاتب والصحافي اللبناني المقيم في لندن كابي طبراني، وهو يتناول بعمق التحوّل الثقافي الجاري في المملكة العربية السعودية، بوصفه أحد أعمدة رؤية 2030، وركيزة استراتيجية لمرحلة ما بعد النفط.
يرى طبراني أن القصة السعودية لا تُروى فقط بلغة الاقتصاد والعمارة والمشروعات الضخمة، بل أيضًا بلغة الثقافة كقوة إنتاجية واستثمارية، إذ تحاول المملكة اليوم أن تجعل من الثقافة قطاعًا اقتصاديًا مستدامًا يُدرّ أرباحًا ويخلق وظائف ويعزز مكانتها العالمية.
يشير المقال إلى أنّ الصناعات الثقافية والإبداعية عالميًا تُولّد أكثر من 2.3 تريليون دولار سنويًا، وتشغّل نحو 30 مليون شخص، وتسهم بما يقارب 3.1% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. لكن، رغم هذه الأرقام، غالبًا ما تُختزل الثقافة ضمن السياحة أو الترفيه. هنا تسعى السعودية إلى قلب المعادلة، واضعة هدفًا طموحًا يتمثل في رفع مساهمة القطاع الثقافي إلى 3% من الناتج المحلي بحلول 2030، أي ما يعادل نحو 48 مليار دولار، مع خلق أكثر من 346 ألف وظيفة جديدة.
هذا التحوّل بدأ فعليًا منذ إنشاء وزارة الثقافة عام 2018، ثم إطلاق الصندوق الثقافي عام 2021 الذي أدى دور الذراع التمويلية والاستثمارية للقطاع، من خلال تقديم القروض والمنح وتحفيز مشاركة القطاع الخاص. وبحسب البيانات الواردة في المقال، فقد دعم الصندوق حتى أغسطس 2025 أكثر من 1440 مبدعًا، ومَوّل 150 مشروعًا ثقافيًا، وأسهم بأكثر من نصف مليار دولار في الناتج المحلي، ما يجعل الثقافة السعودية تتحول من “رمزية ناعمة” إلى رأسمال حقيقي قابل للقياس والتراكم.
ويُبرز المقال أيضًا الطلب المتزايد على التمويل الثقافي الذي تضاعف ثلاث مرات بين 2019 و2023 ليصل إلى 6.1 مليارات دولار، ومن المتوقع أن يبلغ 22.7 مليارًا بحلول 2030، ما يخلق فجوة استثمارية جذابة تتراوح بين 6.7 و9.3 مليارات دولار. وتشمل المجالات الأكثر جاذبية: الفنون الطهوية، الأزياء، التراث، السينما، وفنون الأداء، وهي قطاعات تجمع بين الربحية وحفظ الهوية، وتستفيد من تطورات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لتوظيف التراث في مشروعات مستقبلية.
غير أن طبراني يشير إلى وجود تحديات مستمرة، مثل ضعف إسهام البنوك التجارية الذي لم يتجاوز 4% من إجمالي التمويل حتى عام 2024، إلى جانب تحفظ المستثمرين بسبب موسمية الإيرادات. وقد تدخلت الدولة لمعالجة ذلك عبر ضمانات القروض وبرامج التمويل الموجهة، أبرزها برنامج تمويل قطاع السينما بقيمة 234 مليون دولار، الذي يُحوّل الحقوق التوزيعية إلى أصول قابلة للتمويل، ما يعزز الثقة ويجذب المستثمرين.
ولا يقتصر هذا التحول على البعد الاقتصادي فحسب، بل يمتد إلى البعد الرمزي. فالمملكة أصبحت مُصدّرًا للفنون والثقافة كقوة ناعمة مؤثرة، عبر مشاركاتها في بينالي البندقية، وشراكاتها مع متاحف عالمية كـ اللوفر، إضافة إلى المهرجانات الكبرى مثل مهرجان البحر الأحمر السينمائي وموسم الرياض الذي استقطب أكثر من 20 مليون زائر. هذه الأنشطة، كما يوضح الكاتب، تحوّل القوة الناعمة السعودية إلى قوة صلبة قابلة للقياس بالاستثمار والسياحة والعائد المالي، بدليل ارتفاع الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الفنون والترفيه إلى 267 مليون دولار في 2023، أي بزيادة أربعة عشر ضعفًا.
ويردّ طبراني على المشكّكين الذين يعتبرون التجربة الثقافية السعودية مدفوعة بالكامل من الدولة، بالإشارة إلى تجارب مشابهة ناجحة، مثل كوريا الجنوبية في تسعينيات القرن الماضي قبل انطلاق الكي-بوب، وفرنسا عبر دعمها الضريبي لصناعة السينما، وإيطاليا وبريطانيا من خلال صناديقها الثقافية. فكلها شواهد على أن الاستثمار في الثقافة يمكن أن يكون رهانًا اقتصاديًا رابحًا.
ويختم المقال بتأكيد أن السؤال لم يعد إن كانت الثقافة تدرّ عائدًا اقتصاديًا، بل ما إذا كان المستثمرون سيعاملونها كفئة أصول موثوقة. فالثقافة اليوم، بحسب طبراني، تجمع بين العائد المالي والأثر الاجتماعي والرأسمال الرمزي، لتثبت أن السعودية لا تبني مشاريع ثقافية للزينة، بل تؤسس سوقًا ثقافية حقيقية قد تعيد رسم خريطة الاقتصاد الإبداعي العالمي خلال العقد المقبل.



