نُشر هذا المقال في صحيفة The Guardian بتاريخ 27 أكتوبر 2025، حيث عرض مجموعة من الرسائل والآراء التي كتبها قرّاء وخبراء في مجال التعليم استجابةً للمقال الافتتاحي حول “الورقة البيضاء” التي أصدرتها حكومة حزب العمال البريطانية بشأن التعليم بعد سن السادسة عشرة.
يرى الكاتب جون هولفورد، أستاذ التعليم المستمر بجامعة نوتنغهام، أنّ الحكومة الحالية أعادت إنتاج فشل السياسات القديمة عندما جعلت التعليم بعد السادسة عشرة موجهاً كلياً نحو احتياجات أصحاب العمل. فبدلاً من بناء منظومة تعليم للكبار تمتاز بما دعا إليه المفكر “آر. هـ. توني” من روحٍ “واسعة وكريمة وإنسانية”، حوّل حزب العمال التعليم إلى أداة ضيقة تخدم سوق العمل فحسب. يشير هولفورد إلى أن معدلات مشاركة البالغين في التعليم المستمر تراجعت إلى أدنى مستوياتها منذ أربعينيات القرن الماضي، نتيجة التركيز المفرط على تدريب المهارات الوظيفية منذ تسعينيات القرن العشرين. ويرى أنّ الورقة الحكومية تجاهلت تماماً البعد الديمقراطي والاجتماعي للتعليم، وأهملت قيم المساواة والمواطنة والمشاركة المجتمعية.
أما إيان ستراث، وهو موظف تربوي سابق ومدير كلية، فقد استعاد مرحلة استقلال الكليات عن السلطات التعليمية المحلية عام 1993، مشيراً إلى أنّ هذه الخطوة وإن منحتها حرية إدارية، إلا أنها جردتها من الصوت السياسي القادر على الدفاع عن ميزانياتها. ويقول إنّ تراجع التمويل والتهميش السياسي للكليات أسهما في تفاقم ظاهرة الشباب غير المنخرطين في التعليم أو العمل (NEETs)، مؤكداً أن الاستثمار في هؤلاء يعود بمردود اقتصادي واجتماعي هائل، إذ يوفّر كل جنيه يُنفق لإنقاذهم من التهميش نحو ألف جنيه مستقبلاً على دافع الضرائب.
ويضيف روب إيليت من دورهست أنّ المشكلة أعمق من التمويل والسياسات، إذ تتعلق بثقافةٍ متجذّرة تضع التعليم الأكاديمي في مرتبة أرفع من التعليم المهني، ما يؤدي إلى نقصٍ مزمن في الكوادر الحرفية والعاملين في مجالات الرعاية. يستعرض الكاتب تاريخ البرامج المهنية البريطانية من YTS إلى GNVQ وT-Levels، مؤكداً أنّ تغيّر الأسماء لم يُنتج احتراماً حقيقياً لهذه المسارات ولا رؤية طويلة الأمد لها.
في مجملها، تُجمع هذه الرسائل على أن فلسفة التعليم بعد السادسة عشرة في بريطانيا فقدت جوهرها الإنساني، وتحولت إلى منظومة ضيقة الأفق تركّز على المهارات الوظيفية دون تنمية المواطن أو دعم المساواة الاجتماعية. يدعو الكتّاب إلى إعادة إحياء فكرة التعليم مدى الحياة باعتبارها حقاً إنسانياً وأداةً للتنمية الديمقراطية والاجتماعية، لا مجرد وسيلة للتوظيف.



