السرّ الخفي وراء نجاح القلة وفشل الأغلبية

نُشر هذا المقال في مجلة Forbes، بقلم مارفن كريزلوف، ويتناول أهمية دور الجامعات في توجيه الطلاب نحو اختيارات أكاديمية ومهنية واعية، تتجاوز مجرد اختيار التخصص إلى بناء مسارٍ مستقبلي واضح.

يرى الكاتب أن الحصول على شهادة جامعية ما زال من أكثر الطرق فعالية لزيادة الدخل مدى الحياة، غير أن قيمة الشهادة تختلف باختلاف التخصص وبمدى قدرة الطالب على اتخاذ قرار مبني على معرفة حقيقية. يشير تقرير مركز “جورجتاون للتعليم والقوى العاملة” إلى أن الفوارق في المداخيل بين التخصصات قد تصل إلى أضعاف، لكن هذا لا يفسّر وحده كيف يصل الطلاب إلى هذه الاختيارات أصلاً.

يؤكد كريزلوف أن المشكلة تبدأ من نقطة مبكرة، إذ تُلزم العديد من الجامعات طلابها باختيار التخصص قبل أن تتاح لهم فرصة كافية للاستكشاف. الطلاب القادمون من عائلات تمتلك خبرة أو شبكات مهنية يحصلون على إرشاد غير رسمي، بينما يفتقد أبناء الجيل الجامعي الأول لهذه الميزة، فيتخذون قرارات مصيرية بناءً على تخمين لا على معرفة. حتى إضافة تخصص فرعي أو مزدوج قد لا تكون نافعة إذا لم ترافقها نصيحة أكاديمية واضحة وفهمٌ للفرص الواقعية.

في جامعة “بايس” التي يرأسها الكاتب، يتجلّى هذا التحدي بوضوح: معظم الطلاب هم أول من يلتحق بالجامعة في أسرهم، ويأتون بطموح كبير لكن من دون خارطة طريق. لذلك ترى الجامعة أنّ واجبها الأول هو بناء خريطة مهنية للطالب منذ البداية.ويبدأ ذلك عبر إرشاد عملي واضح يشرح مضمون كل تخصّص، والمهارات المطلوبة في سوق العمل، والوظائف المتاحة. كما تربط الجامعة الطلاب بأعضاء هيئة التدريس ذوي الخبرة الواقعية، وبشبكات من أرباب العمل والموجّهين المهنيين الذين يمنحون الطلاب رؤية تتجاوز حدود الصفّ الدراسي.

ولا يقتصر هذا الدعم على التوجيه الأكاديمي؛ بل يمتد إلى التجربة العملية المباشرة من خلال التدريب المهني، وفرص البحث، والعمل الصيفي، والخدمة المجتمعية. في عام 2024 وحده، تمكّن أكثر من تسعة آلاف طالب في جامعة “بايس” من الحصول على تدريب عملي، فيما وفّر برنامج “التأثير المجتمعي” أكثر من 300 فرصة تدريبية لطلاب العلوم الإنسانية في منظمات غير ربحية عاملة في مجالات التعليم، والصحة، والفنون، والخدمات الاجتماعية.

يشير الكاتب إلى أنّ تقرير جورجتاون يُظهر تباينات كبيرة في الدخل حتى داخل الفروع نفسها: فخريج علوم الكمبيوتر مثلاً يواجه آفاقاً مختلفة تماماً عن خريج علم الأحياء. لكن رغم أهمية التخصص، فإن النجاح المهني لا يُختزل فيه وحده؛ فسمات مثل القدرة على التواصل، والتكيّف، والخبرة العملية، تظلّ عوامل حاسمة لا تظهر في السجل الأكاديمي.

ومع ذلك، يبقى اختيار التخصص خطوة حاسمة، خصوصاً لمن لا يخططون لمتابعة الدراسات العليا، لأنّها ترسم ملامح المسار المهني الأول. لذلك تقع على عاتق المؤسسات مسؤولية توفير المعلومات والبنية التي تساعد الطلاب على اتخاذ قرارات مدروسة.

في جامعة “بايس”، يلتقي الصرامة الأكاديمية بفرص التطبيق العملي في قلب نيويورك و”ويستتشستر”، حيث يمكن للطلاب اختبار معارفهم في بيئات مهنية حقيقية. وهكذا لا يدرسون في فراغ، بل يربطون بين ما يتعلّمونه وبين ما يطمحون إليه.

يختم كريزلوف مقاله بالتأكيد أنّ الجدل حول قيمة التعليم العالي يجب ألا يغفل دور المؤسسات في تشكيل النتائج. فالقيمة لا تتعلق فقط بالتخصص، بل بكيفية دعم الجامعات للطلاب في استثمار تعليمهم.ويخلص إلى أنّ إصلاح النظام الجامعي يتطلب مواءمة الإرشاد الأكاديمي مع واقع سوق العمل، وتعزيز التعلم التطبيقي في جميع البرامج، واعتبار الإعداد المهني جزءاً أساسياً من التجربة الأكاديمية. عندها فقط يمكن للطلاب أن يتقدّموا بوضوح وثقة نحو مستقبلهم.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn