الحد الأدنى للأجور في لبنان: ماذا يكشف عن سوق العمل؟ قراءة محمود شحادي في مقال عبير درويش

مداخلة محمود شحادي ضمن مقال عبير درويش في ايست نيوز، تركز بقوة على واقع سوق العمل اللبناني وتحوّل الحد الأدنى للأجور من أداة حماية اجتماعية إلى رقم شكلي لا يعكس وضع الأسر العاملة.

يؤكد شحادي أن الحديث عن “الحد الأدنى للأجور في لبنان” لا يجوز عزله عن الديناميكا السوقية: انخفاض القدرة الشرائية، توسّع الاقتصاد الموازي، وانتشار العمالة غير الرسمية كل ذلك يحوّل الأجر الرسمي إلى عنصر رمزي لا يقي من الفقر.

من منظور سوق العمل، تبرز مساهمة شحادي في أربعة محاور مترابطة: أولاً، التآكل الحقيقي للأجور أدى إلى تفاقم ظاهرة العمل بلا عقود وبلا ضمان اجتماعي، خصوصًا في القطاعات منخفضة المهارة مثل الخدمات المنزلية والورش والزراعة، مما يبيّن هشاشة علاقات العمل وحجم الفجوة بين القواعد القانونية والواقع التطبيقي.

ثانيًا، يربط شحادي بين ضعف تطبيق الحد الأدنى وهجرة اليد العاملة الشابة والماهرة إلى الخارج، حيث يرى أن انخفاض الأجر الحقيقي يسرّع نزيف الكفاءات ويقلص عرض المهارات المحلية، ما يفاقم البطالة المقنعة ويقلّل قدرة السوق على التجدد.

ثالثًا، يناقش أثر غياب سياسات سوق عمل فعالة: عدم وجود سياسات تشغيل نشطة، ضعف برامج إعادة التأهيل والتدريب المهني، وغياب حوافز للقطاع الخاص لتوظيف شباب وخريجين، كلها عوامل تجعل السوق غير قادرة على خلق وظائف مستقرة وقادرة على تحقيق مستوى معيشي لائق.

رابعًا، يطرح شحادي الحاجة الملحّة إلى ضبط شكل التوظيف غير التقليدي (العمل بالقطعة، العمل المؤقت، اقتصاد المنصات) عبر إطارات تنظيمية تضمن حقوق العاملين وتمنع استنزاف الأجور تحت غطاء المرونة.

في خطه الإصلاحي، يقدم شحادي مقترحات عملية لسوق العمل: تطبيق سلم أجور متحرك مرتبط بمؤشر الأسعار لتفادي التآكل الدوري للأجور، تشديد آليات الرقابة على التوظيف وتفعيل التفتيش العمالي لمنع التهرّب من الحد الأدنى، وتعزيز الحماية الاجتماعية لتشمل قطاعات واسعة حالياً خارج مظلة الضمان.

كذلك يؤكد على دور النقابات في إعادة توازن موازين القوى بين العمل ورأس المال، ودورها في التفاوض القطاعي لرفع أجور الفئات الأكثر هشاشة بدلاً من اعتماد زيادات عامة شكلية لا تتماشى مع خصوصية كل قطاع.

قراءة شحادي لسوق العمل تتسم بالترابط بين الاقتصاد الكلّي والسياسات العمالية: فهو لا يطالب بالزيادة كهدف مستقل، بل كجزء من حزمة تشمل تحسين خدمات الكهرباء والنقل، وخفض كلفة الإنتاج عبر سياسات دعم موجهة، وتحسين مناخ الأعمال شرط أن تُصاحبها التزامات واضحة بتوظيف إضافي واستثمارات منتجة.

من زاوية السياسات التشغيلية، يلفت شحادي إلى أهمية برامج العمل العام المؤقت لامتصاص الفائض العمالي في أزمات قصيرة الأجل، وبرامج تدريب مستهدفة لملء فجوات المهارات، مع حوافز ضريبية مشروطة للتوظيف الرسمي بدلاً من تخفيضات عامة غير مرتبطة بخلق وظائف.

أما على مستوى التأثير الاجتماعي لسوق العمل، فيرسم شحادي صورةً قاتمة إن لم تتغير السياسات: اتساع العمل اللامنتج، زيادة العاملين تحت خط الفقر، تصاعد الاحتقان الاجتماعي، وتراجع مشاركة المرأة في سوق العمل نتيجة ارتفاع كلفة رعاية الأطفال والخدمات.

في المجمل، تضيف مداخلة محمود شحادي بعدًا عمليًا لملف الحد الأدنى للأجور في لبنان من خلال تركيزه على سوق العمل: فهو يحوّل النقاش من مجرد رقم إلى أداوت وسياسات تشغيلية، حماية اجتماعية، وآليات إنفاذ تعيد الحد الأدنى إلى وظيفته الأساسية—حماية كرامة العمل والعيش.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn