تتكشف يوماً بعد يوم فصول واحدة من أخطر الأزمات التي ضربت قطاع الطيران المدني في لبنان، والمتمثلة في فضيحة شركة “Beirut Wings” لتدريب الطيارين، والتي سلطت صحيفة “النهار” الضوء على تفاصيلها الصادمة.
إن ما جرى لا يمكن تصنيفه كخلل إداري عابر، بل هو منظومة تدريب وهمية متكاملة الأركان أسقطت نحو 80 طياراً في فخ التزوير وانعدام الكفاءة المهنية. وتكمن الخطورة المهنية القصوى في تعيين أشخاص غير مؤهلين للقيام بمهام التدريب دون حيازة شهادات معترف بها، حيث تشير المعطيات التي نشرتها “النهار” إلى قيام الإدارة بتكليف موظفين بتدريب الطلاب وتوقيع دفاتر ساعات طيرانهم (Logbooks) بشكل غير قانوني، بل ووصل الأمر إلى تزوير تلك الدفاتر واستبدال الأسماء لإخفاء المخالفات وتضليل الجهات الرقابية، وهو ما ينسف معايير السلامة الجوية التي لا تحتمل أي تهاون.
وعلى الصعيد الأخلاقي، تتجلى الفضيحة في استغلال أحلام الشباب اللبناني والأجنبي الذين استثمروا مبالغ طائلة تتراوح بين 60 و100 ألف دولار للطالب الواحد، ليجدوا أنفسهم في نهاية المطاف يحملون رخصاً مشكوكاً في صحتها الفنية نتيجة التلاعب بساعات الطيران.
إن هذا السلوك يمثل خيانة جسيمة للأمانة المهنية، حيث تحولت المؤسسة التعليمية من منارة لتخريج كفاءات تحمي أرواح المسافرين إلى دكان لبيع “الأوهام” الورقية التي قد تؤدي إلى كوارث جوية عابرة للحدود. وتتعدى المسؤولية هنا النطاق الفردي للمتورطين لتطال الأجهزة الرقابية التي سمحت باستمرار هذه الممارسات لسنوات، مما يضع سمعة لبنان الدولية في مجال الطيران على المحك.
وبناءً على ما أوردته “النهار” من تقارير، فإن التحركات القضائية والأمنية الأخيرة، ووقف عمل الشركة بقرار من وزارة الأشغال، تمثل ضرورة أخلاقية ومهنية لتنقية القطاع، مع التأكيد على أن أي محاولة لإعادة تعويم الشركة دون محاسبة شفافة وشاملة ستكون بمثابة تشريع للفساد على حساب سلامة الأجواء وأرواح البشر.



