أزمة تضخم الدرجات في هارفارد: هل فقدت علامة A معناها؟

نُشر هذا المقال في صحيفة The Harvard Crimson ضمن قسم الرأي، وهو مقال تحليلي بقلم كارين ل. ثورنبر يناقش بعمق أزمة تضخم الدرجات في هارفارد ويدعو إلى تبنّي إصلاحات جذرية تعيد للعلامات الأكاديمية معناها التقييمي الحقيقي.

يتناول المقال إشكالية تضخم الدرجات في هارفارد باعتبارها ظاهرة متفاقمة خلال العقدين الأخيرين، حيث تشير الكاتبة إلى أن نسبة علامات A وA- ارتفعت من 62% في العام الأكاديمي 2012-2013 إلى 76% في 2018-2019، لتصل اليوم إلى نحو 85%. هذا الارتفاع، برأيها، لا يعكس بالضرورة تحسناً نوعياً في مستوى الطلاب، بل يعكس ضغوطاً مؤسسية وثقافية دفعت أعضاء هيئة التدريس إلى التساهل في التقييم.

تؤكد الكاتبة أن منح علامة A لغالبية الطلاب يُفرغ مفهوم “التميّز الأكاديمي” من مضمونه. فالتميّز، وفق المعايير التقليدية، يجب أن يُمنح لمن يُظهر “تفوقاً استثنائياً”، لا لمن يحقق فهماً جيداً أو حتى إتقاناً كاملاً للمادة. وهي تميز بوضوح بين مستويات الأداء: الفهم الجيد (B)، الإتقان الكامل (A-) والتميّز الاستثنائي (A). هذا التفريق، الذي كان أكثر صرامة في السابق، تآكل تدريجياً بفعل ما تسميه “ضغط السعادة الطلابية”.

تشير الكاتبة إلى أن أعضاء هيئة التدريس ومساعديهم يواجهون ضغوطاً مباشرة من الطلاب لرفع العلامات، أحياناً بدعم من إدارات السكن الجامعي. وتوضح أن بعض الطلاب يربطون بين حصولهم على A- وبين تهديد فرصهم في كليات الطب أو المنح الدراسية، بل ويذهب بعضهم إلى الادعاء بأن العلامات الأقل تؤثر سلباً في صحتهم النفسية. هذا المناخ، بحسب المقال، خلق ثقافة ترفض المنافسة داخل الصف، رغم أن المنافسة مقبولة في الأنشطة اللامنهجية مثل الفرق الرياضية أو الفرق الموسيقية.

وتربط الكاتبة بين أزمة تضخم الدرجات في هارفارد ومسألة العدالة في منح الجوائز الأكاديمية، مستشهدة بدورها كرئيسة لفرع جمعية Phi Beta Kappa في هارفارد. فهي ترى أن منح علامة A لطالب يستحق A- قد يحرم طالباً آخر أكثر استحقاقاً من فرصة الانضمام إلى الجمعية، ما يعني أن التساهل لا يظلم المؤسسة فقط، بل يظلم الطلاب المتفوقين فعلياً.

من الحلول التي تقترحها الكاتبة اعتماد سقف أعلى لنسبة علامات A، بحيث لا تُمنح إلا لمن يُظهر تميزاً استثنائياً، وهو ما ينسجم مع مقترح أعضاء هيئة التدريس الأخير للحد من انتشار العلامات العليا. كما تشدد على أهمية التعليقات النوعية المكتوبة، مؤكدة أن لجان التوظيف والمنح لا تركز على التقييم الرقمي بقدر ما تهتم بمدى صرامة المعايير وجودة التغذية الراجعة.

وتؤكد الكاتبة، بصفتها المديرة الأكاديمية لمركز Derek Bok Center for Teaching and Learning، التزامها بدعم تصميم تقييمات دقيقة وعادلة تعكس فعلاً مستوى الأداء. وتدعو إلى إعادة “التميّز، الشفافية، والعدالة” إلى قلب العملية التعليمية، بما يعيد للعلامات وظيفتها الأصلية: تقديم تغذية راجعة صادقة تساعد الطالب على فهم موقعه الأكاديمي ومسارات تطوره.

في المحصلة، يعرض المقال أزمة تضخم الدرجات في هارفارد كقضية تتجاوز الأرقام إلى سؤال أعمق حول معنى التعليم الجامعي ودور الأستاذ في التقييم الموضوعي. وهو دفاع صريح عن استعادة الصرامة الأكاديمية كشرط لحماية قيمة الشهادة الجامعية وضمان تكافؤ الفرص.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn