نُشر هذا المقال في موقع الجزيرة ضمن قسم “أسلوب حياة” بتاريخ 3 مارس/آذار 2026 بقلم نيللي عادل، ويتناول سؤالاً ملحّاً في السياقات المضطربة: في أوقات الحروب والأزمات.. كيف تحافظ على إنتاجيتك وتتجنب شلل الأحداث؟ عبر مقاربة علمية نفسية تستند إلى دراسات وأبحاث حديثة.
ينطلق المقال من فرضية مركزية مفادها أن أثر الحروب لا يقتصر على الخسائر المادية والسياسية، بل يمتد إلى البنية الإدراكية للفرد، فيصيب قدرته على التركيز واتخاذ القرار وتنظيم الأولويات. ويعيد تعريف الإنتاجية في سياق الحروب والأزمات باعتبارها أداة لاستعادة الإحساس بالمعنى والسيطرة، لا مجرد إنجاز مهام وظيفية. فالإنتاجية هنا تشمل بناء يوم منظم، وتوجيه الجهد نحو أنشطة ذات قيمة نفسية ومعنوية، بما يمنح الفرد شعوراً بالثبات وسط الفوضى.
يعرض المقال جملة من الدراسات التي تبيّن كيف تؤثر الصدمات المرتبطة بالحرب في كفاءة الدماغ. دراسة منشورة في مجلة “الطب النفسي السريري” حول أسرى الحرب المصابين باضطراب ما بعد الصدمة كشفت عن تراجع طويل الأمد في الأداء المعرفي، بما يشمل ضعف التركيز والتخطيط وحل المشكلات. كما تشير أبحاث منشورة عبر قاعدة PubMed إلى أن التوتر الحاد المصاحب للعيش في بيئات قتالية يؤدي إلى تدهور ملحوظ في الذاكرة والاستدلال المنطقي وسرعة الاستجابة، وهي كلها عناصر ترتبط مباشرة بمفهوم الإنتاجية.
ولا يحصر المقال التأثير في العسكريين، بل يوسّعه ليشمل المدنيين. فدراسة في مجلة Scientific Reports تناولت حالة أكاديميين في أوكرانيا بعد الحرب التي شنتها روسيا عام 2022، وأظهرت ارتفاعاً في مستويات القلق والإرهاق النفسي انعكس مباشرة على جودة الأداء المهني. هذه النتائج تؤكد أن انخفاض الإنتاجية في زمن الاضطرابات ليس ضعف إرادة، بل استجابة بيولوجية ونفسية تعيد توجيه موارد الدماغ نحو البقاء.
ويعزز المقال هذا الطرح بالإشارة إلى تقارير منظمة الصحة العالمية حول الصحة النفسية في مكان العمل، والتي تقدّر أن القلق والاكتئاب يتسببان عالمياً في فقدان نحو 12 مليار يوم عمل سنوياً. في سياقات الحرب، تتضاعف هذه الخسارة نتيجة النزوح، والعمل في بيئات غير مستقرة، وضعف الدعم المؤسسي. من هنا تتضح العلاقة البنيوية بين الصحة النفسية والإنتاجية، وأن الحفاظ على الإنتاجية في أوقات الحروب والأزمات يتطلب معالجة جذور الضغط النفسي لا الاكتفاء بخطط تنظيم الوقت.
في الشق العملي، يقترح المقال استراتيجيات تستند إلى علم النفس المعرفي. أولها إدارة الروتين اليومي باعتباره أداة لتنظيم الجهاز العصبي، إذ يساهم وجود نمط متوقع في تقليل حالة التأهب المستمر. ثانيها تقسيم المهام إلى وحدات صغيرة قابلة للإنجاز، استناداً إلى أبحاث حول سعة الذاكرة العاملة. دراسة صادرة عن جامعة كولومبيا عام 2023 أظهرت أن تفكيك المهام يعزز الدافعية والشعور بالسيطرة، وهو ما يسهّل الإنجاز تحت الضغط.
كما يركز المقال على شروط الصحة البدنية والنفسية بوصفها أساساً لأي إنتاجية مستدامة: النوم المنتظم، الحركة البدنية المعتدلة، تقليل التعرض المستمر للأخبار، والحفاظ على شبكة دعم اجتماعي.
مراجعات منشورة في مجلة “BMC Psychology” تؤكد أن اضطرابات النوم والقلق في مناطق النزاع ترتبط مباشرة بانخفاض الأداء اليومي. وبالتالي فإن الحفاظ على الإنتاجية في أوقات الحروب والأزمات يبدأ بإعادة بناء التوازن البيولوجي.
ويختم المقال برؤية مرنة لمفهوم الإنتاجية، مستشهداً بمقال للطبيب النفسي ديفيد مايكل في منصة Medium، حيث يشير إلى أن الإنتاجية في زمن الحرب لا تقاس بعدد الساعات بل بقدرة الأفراد والمؤسسات على الاستمرار دون استنزاف كامل للموارد النفسية والمادية. إنها إعادة تعريف للمعايير بما يتناسب مع الواقع، لا خفض لها.بهذا المعنى، يقدم المقال إطاراً علمياً عملياً للإجابة عن سؤال في أوقات الحروب والأزمات.. كيف تحافظ على إنتاجيتك وتتجنب شلل الأحداث؟ عبر الربط بين علم الأعصاب، وإدارة العمل، والصحة النفسية، في معالجة متكاملة تضع الإنسان في مركز المعادلة.



