المصدر: إعادة صياغة وتحرير عربي لمادة محاضرة الدكتور Joel C. Peterson (جويل سي. بيترسون)، الأستاذ في كلية الدراسات العليا للأعمال بجامعة ستانفورد، حول Conducting Effective Negotiations. النص العربي ليس ترجمة حرفية للمحاضرة، بل إعادة بناء تحريرية لأفكارها وأمثلتها، مع الحفاظ على نسبتها إلى صاحبها ومصدرها.
كان العنوان الأول الذي اقترحه الدكتور جويل سي. بيترسون لمحاضرته عن التفاوض أكثر إثارة: «كيف تفاوض عندما تكون مضطرًا تمامًا إلى إتمام الصفقة؟». لكنه سرعان ما اكتشف أن السؤال نفسه يقود إلى إجابة مختلفة تمامًا: لا تضع نفسك في موقع تكون فيه مضطرًا إلى إتمام الصفقة. فحين تصبح الصفقة ضرورة لا بديل عنها، تكون قد تنازلت مسبقًا عن جزء من قوتك التفاوضية. الطرف الآخر يعرف حاجتك، وأنت تعرف أنك بحاجة إليه، ومن هنا تبدأ المشكلة قبل أن تبدأ المفاوضات.
هذه الفكرة تختصر جانبًا كبيرًا من فلسفة بيترسون في التفاوض. فالتفاوض، في نظره، ليس معركة يجب أن ينتصر فيها طرف على آخر، ولا لعبة صفرية يحصل فيها أحدهما على ما يخسره الآخر. إنه في جوهره محادثة بين طرفين يحاولان الوصول إلى اتفاق يمكنهما العيش معه والاستمرار فيه. ولذلك فإن المفاوض الجيد لا يسأل فقط: «ماذا سأحصل؟»، بل يسأل أيضًا: «ماذا يريد الطرف الآخر؟ وما الذي سيجعل هذا الاتفاق قابلًا للاستمرار؟».
ويبدأ الأمر من فهم طبيعة التفاوض نفسه. فنحن نتفاوض طوال الوقت، حتى عندما لا نستخدم هذه الكلمة. في العمل، وفي العلاقات المهنية، ومع الشركاء والعملاء والموظفين، وحتى داخل الأسرة، هناك دائمًا أخذ وعطاء ومحاولة للتوفيق بين مصالح مختلفة. لكننا نشعر بالتوتر عندما يتحول هذا الأخذ والعطاء إلى تفاوض رسمي حول سعر أو عقد أو شراكة أو وظيفة. بعض الناس يحبون التفاوض لأنه يمنحهم فرصة للإبداع وحل المشكلات، فيما يراه آخرون نشاطًا ضروريًا يشبه «أكل البروكولي»: مفيد، لكنه ليس ممتعًا بالضرورة.
المشكلة، بحسب بيترسون، أن كثيرًا من الناس يدخلون التفاوض بعقلية ضيقة جدًا. يريدون أفضل سعر، وأفضل الشروط، وأقصر مدة للتنفيذ، وأقوى الضمانات، وأفضل وسائل التعويض إذا حدث خطأ. ثم يتعاملون مع كل نقطة باعتبارها معركة مستقلة يجب الفوز بها. لكن هذه الطريقة قد تجعل الصفقة نفسها أسوأ، حتى لو خرج أحد الطرفين وهو يعتقد أنه «انتصر».
فالصفقة الناجحة ليست بالضرورة التي تربح فيها كل نقطة. هناك نقاط كبيرة تشبه «الفيلة»، وأخرى صغيرة تشبه «النمل». والمفاوض الذكي يعرف الفرق بينهما. يمكن أن تخسر معركة صغيرة لتحافظ على علاقة، أو تتنازل عن شرط محدود لتحصل على تعاون طويل الأمد، أو تسمح للطرف الآخر بأن يشعر بأنه انتصر في نقطة لا تعني لك الكثير، مقابل الحصول على شيء مهم بالنسبة إليك.
وهنا يصبح تعريف «الفوز» أكثر تعقيدًا. قد يكون الفوز هو السعر الأفضل، لكنه قد يكون أيضًا اتفاقًا قابلًا للتطبيق، أو علاقة تستمر، أو شريكًا تثق به، أو صفقة لا تنتهي بعد أشهر في المحاكم.
لا تفاوض الشخص الخطأ
من أبسط قواعد التفاوض وأكثرها إهمالًا أن تتأكد من أنك تتفاوض مع الشخص القادر على اتخاذ القرار. يروي بيترسون قصة من بدايات حياته المهنية عندما ذهب إلى أحد البنوك في إسبانيا للتفاوض على تمويل مشروع عقاري. دخل مع فريقه إلى مكتب رجل بدا أنه الشخص المناسب للجلوس معه. وبينما كان النقاش مستمرًا، بدأ أشخاص يدخلون المكتب وينقلون اللوحات والأثاث، ثم الهاتف، ثم المكتب نفسه.
استمر الرجل في الحديث، لكن المكتب أصبح فارغًا تقريبًا. اكتشف بيترسون لاحقًا أن الرجل لم يكن صاحب القرار أصلًا. كان مجرد شخص استقبلهم بدافع المجاملة.
قد تبدو القصة طريفة، لكنها تكشف خطأ يتكرر في عالم الأعمال: يمكن أن تقضي ساعات أو أيامًا أو أسابيع في التفاوض مع شخص لا يملك أصلًا صلاحية قول «نعم».
لذلك يجب أن يكون السؤال الأول قبل أي تفاوض: من يستطيع أن يقرر؟ لكن الأمر لا يتعلق فقط بالسلطة الرسمية. الطرف المناسب للتفاوض هو الشخص الذي يجمع بين القدرة على اتخاذ القرار، والكفاءة، والموثوقية. وهذا يقود إلى مفهوم أساسي آخر لدى بيترسون: الثقة.
القوة تبدأ من البدائل
من أهم المفاهيم في علم التفاوض مفهوم BATNA، أي «أفضل بديل عن الاتفاق المتفاوض عليه». وهو المفهوم الذي اشتهر من خلال أعمال روجر فيشر وويليام يوري في مدرسة هارفارد للتفاوض.
الفكرة بسيطة: قبل أن تدخل إلى غرفة التفاوض، يجب أن تعرف ماذا ستفعل إذا لم تحصل على الصفقة. إذا كان لديك بديل جيد، فأنت تدخل وأنت أكثر هدوءًا. أما إذا كانت الصفقة هي الخيار الوحيد أمامك، فإن حاجتك إليها تصبح نقطة ضعف يمكن للطرف الآخر استغلالها.
لكن بيترسون يذهب خطوة أبعد: لا يكفي أن تعرف BATNA الخاص بك، بل حاول أن تفهم BATNA للطرف الآخر. ماذا سيفعل إذا لم يتفق معك؟ هل لديه مورد آخر؟ هل يستطيع الانتظار؟ هل لديه مشترٍ بديل؟ هل لديه مصدر تمويل آخر؟ وما مقدار حاجته إلى هذه الصفقة؟
كلما فهمت خيارات الطرف الآخر، أصبحت قادرًا على رؤية التفاوض بصورة مختلفة. ولهذا يصر بيترسون على أهمية توليد الخيارات. لا تعتمد على مورد واحد إذا كان بإمكانك بناء أكثر من مصدر. لا تجعل صفقة واحدة هي طريقك الوحيد. لا تدخل في تفاوض وأنت تشعر أن العالم سينتهي إذا قال الطرف الآخر «لا».
وجود البدائل لا يعني أنك ستستخدمها للتهديد. مجرد امتلاكها يمنحك حرية أكبر في اتخاذ القرار.
الحيل التفاوضية ليست قوة
يستعرض بيترسون مجموعة من الأساليب التي تستخدم أحيانًا للضغط على الطرف الآخر: إطالة الاجتماعات، تأخير النقاش، استغلال موعد الطائرة، رفع الصوت، استخدام لغة عدوانية، خلق ظروف جسدية غير مريحة، أو محاولة دفع الطرف الآخر إلى الانفعال.
لكن المشكلة أن معظم هذه الأساليب ليست سرية كما يتخيل أصحابها. عندما يرفع شخص صوته أو يضرب الطاولة، يدرك الطرف الآخر عادةً أنه يتعرض لمحاولة ضغط. وعندما يؤخر المفاوض النقاش حتى اللحظة التي يصبح فيها الطرف الآخر مضطرًا للمغادرة، تكون اللعبة واضحة.
وقد تحقق بعض هذه الأساليب نتيجة قصيرة الأجل، لكنها تترك أثرًا سيئًا على العلاقة. لهذا ينصح بيترسون بألا تنجر إلى اللعبة. إذا رفع الطرف الآخر صوته، يمكن أن تسأله بهدوء: لماذا ترفع صوتك؟ ما الذي تحاول الوصول إليه؟ وإذا بدأ باستخدام الضغط، يمكن ببساطة أن تجعل الضغط غير فعال.
إذا كان يعلم أنك ستغادر في الخامسة مساءً، لا تجعل رحلتك عنصرًا يمكن استخدامه ضدك. وإذا كان يتوقع أن تشعر بالتوتر لأن الاجتماع طال، خطط مسبقًا بحيث لا يكون الوقت مشكلة بالنسبة إليك.
الفكرة الأساسية هي أن أفضل طريقة لمواجهة بعض أساليب التفاوض هي جعلها غير فعالة.
الهدوء أداة تفاوضية
لا يعني الهدوء أن تكون ضعيفًا، كما أن الغضب لا يعني القوة. يؤكد بيترسون أهمية الحفاظ على «خط أساس» هادئ في التعامل. فإذا كنت هادئًا معظم الوقت، فإن أي تغيير حقيقي في نبرتك سيكون ذا معنى. أما إذا كنت تصرخ باستمرار، فإن صراخك يفقد قيمته.
ويروي تجربة مهمة في صفقة عقارية ضخمة بلغت قيمتها نحو مليار دولار. كان يجلس أمام مجموعة من الشركاء، وعندما قال أحدهم شيئًا اعتبره غير عادل، لم يدخل في مواجهة صاخبة. وقف ببساطة وقال إن استمرار الشراكة بهذه الطريقة لم يعد ممكنًا، وإنه سيغادر، وإن أرادوا استكمال النقاش يمكنهم الاتصال به.
غادر. وقبل أن يصل إلى المطار، تلقى اتصالات من عدة شركاء يطلبون منه العودة. لم تكن القوة في التهديد، بل في أن الطرف الآخر صدق أنه جاد. وهنا تكمن قيمة الهدوء: عندما لا تستخدم التصعيد إلا عند الضرورة، يصبح للتصعيد وزن أكبر.
افصل الأشخاص عن المشكلة
من أهم مبادئ مدرسة هارفارد للتفاوض التي يستشهد بها بيترسون الفصل بين «الأشخاص» و«المشكلة». قد تكون المشكلة صعبة، لكن هذا لا يعني أن الشخص الذي يجلس أمامك هو المشكلة.إذا اختلف معك شخص حول السعر، فهذا لا يعني أنه شخص سيئ. وإذا رفض شرطًا تريده، فهذا لا يعني أنه يحاول بالضرورة إيذاءك. عندما تخلط بين المشكلة والشخص، تتحول المفاوضات بسرعة إلى مواجهة شخصية. وعندها يصبح التراجع عن الموقف أصعب، لأن التراجع يبدو كأنه هزيمة شخصية.
أما إذا بقي الخلاف في مستوى المشكلة، فيمكن للطرفين تغيير المواقف والبحث عن حلول جديدة دون أن يشعر أي منهما بأنه خسر كرامته.
ركز على المصالح لا على المواقف
الموقف هو ما يقوله الطرف. أما المصلحة فهي ما يريده بالفعل. قد يقول أحد الأطراف: «أريد التسليم خلال ثلاثة أشهر». لكن السبب الحقيقي قد يكون أنه يحتاج إلى إطلاق المنتج في تاريخ محدد. إذا فهمت السبب، قد تجد حلًا آخر يحقق مصلحته دون أن يكون التسليم خلال ثلاثة أشهر هو الشرط الوحيد.
لذلك فإن السؤال الأكثر فائدة في التفاوض ليس دائمًا: «ما الذي تريد؟»، بل: «لماذا هذا مهم بالنسبة إليك؟» هذه النقلة تحول التفاوض من معركة على الشروط إلى محاولة لفهم المشكلة.
ومن هنا تأتي واحدة من أهم أفكار فيشر ويوري: ركز على المصالح بدل المواقف، وابتكر خيارات تحقق مكاسب مشتركة، وحاول استخدام معايير موضوعية لتحديد ما هو اتفاق عادل أو منطقي.
السمعة جزء من رأس مالك التفاوضي
لا توجد مفاوضات منفصلة تمامًا عن بعضها. قد تعتقد أنك تفاوض شخصًا اليوم في صفقة واحدة، لكن هذا الشخص سيتحدث إلى آخرين، وهؤلاء سيتحدثون إلى غيرهم. وفي عالم الأعمال المتصل، تصبح سمعتك جزءًا من قوتك.
هل أنت مفاوض عادل؟ هل تلتزم بكلمتك؟ هل تحاول الوصول إلى حلول رابحة للطرفين؟ هل أنت مرن؟ أم أنك تحاول انتزاع أقصى ما تستطيع في كل صفقة؟
كل ذلك يتحول إلى «علامة تفاوضية» شخصية.ويروي بيترسون كيف حاول في إحدى مراحل حياته المهنية أن يبني لنفسه سمعة مفادها أنه لا يتراجع عن السعر الذي يحدده. كان يريد أن يُعرف بأنه يعرف قيمة ما يقدمه.
ثم دخل في سلسلة طويلة من الصفقات مع شريك أصبح لاحقًا صديقًا. وبعد عشرات الصفقات، اكتشف أن الشريك يحب التفاوض على السعر نفسه؛ فهو لا يشعر بأنه أنجز الصفقة إذا لم يتمكن من خفض الرقم قليلًا.
لذلك وضعا قاعدة غير مكتوبة: يرفع بيترسون السعر قليلًا، فيفاوضه الشريك، ثم يصلان إلى الرقم الذي كان بيترسون مستعدًا لقبوله أصلًا.
لم تكن القضية في السعر فقط، بل في فهم أسلوب الطرف الآخر وبناء «قواعد طريق» تجعل التعامل بينهما أكثر سهولة.
لا تربح المعركة وتخسر الحرب
ربما أوضح بيترسون هذه الفكرة من خلال قصة عائلية. كان يدرّس في ستانفورد لفترة طويلة، بينما كانت ابنته في ولاية أخرى. وفي إحدى المرات أرسلت إليه رسالة طويلة تطلب فيها السماح لها بتربية جرذين، مؤكدة أنها ستدفع ثمنهما من مالها، وستعتني بهما، وقد اختارت لهما اسمين بالفعل.
كان رد الأب ساخرًا ومليئًا بأسباب كراهية الجرذان. لكن ابنته حصلت في النهاية على الجرذين. لماذا؟ لأن الأم كانت قد وافقت أصلًا، ولأن بيترسون أدرك أن المعركة لا تستحق أن تتحول إلى معركة سلطة. كان هدفه الأكبر مختلفًا: أن يربي ابنة مسؤولة، وأن يحافظ على علاقة جيدة معها، وأن يعرف متى تكون المعركة ضرورية ومتى تكون مجرد معركة صغيرة.
وبعد فترة أعادت ابنته الجرذين إلى متجر الحيوانات، وقالت لوالدها إنه كان محقًا بشأنهما. القصة، بالنسبة إلى بيترسون، ليست عن الجرذان. إنها عن معرفة ما الذي تريد أن تربحه فعلًا.
لا تدخل علاقة تجارية مع من لا تحترمهم
امتلاك البدائل لا يمنحك قوة تفاوضية فحسب؛ إنه يحميك من الدخول في علاقات لا تريدها. يمكن أن تحصل على صفقة ممتازة على الورق، لكن إذا كان الطرف الآخر شخصًا لا تثق به ولا تحترمه ولا تشاركه القيم الأساسية، فقد تتحول الصفقة إلى مصدر دائم للمشاكل.
ولهذا يقول بيترسون إن من أسوأ الأشياء في الحياة المهنية أن تصبح مضطرًا للعمل مع أشخاص لا تريد العمل معهم. إذا كنت لا تملك بدائل، فقد تضطر أحيانًا إلى التعامل مع طرف صعب. لكن إذا كنت تملك الخيارات، يصبح بإمكانك اختيار الشريك الذي تريد بناء علاقة طويلة معه. لا تستخدم الوسطاء بدل العلاقة المباشرة
المحامون والمستشارون والوسطاء والمصرفيون الاستثماريون يمكن أن يكونوا مهمين، لكن بيترسون يحذر من تركهم يديرون العلاقة الأساسية بدل أصحاب المصلحة أنفسهم.
فالوسيط يحمل سمعتك معه. وإذا كان محاميك عدوانيًا، فقد يعتقد الطرف الآخر أنك عدواني. وإذا كان الوسيط غير مرن، فقد تصبح أنت في نظره غير مرن. لذلك يفضل بيترسون، عندما يكون ذلك ممكنًا، أن يتحدث أصحاب القرار مباشرة.
يمكن أن تستعين بالمحامي للمراجعة، وبالمستشار للتحليل، وبالمحاسب للأرقام، لكن لا تجعل العلاقة الأساسية تمر دائمًا عبر وسيط. العلاقة المباشرة قد تتطلب جهدًا أكبر في البداية، لكنها غالبًا توفر جهدًا أكبر على المدى الطويل.
لا تدخل التفاوض وأنت مضطر
تعود هذه الفكرة إلى بداية المحاضرة. إذا كنت تحتاج إلى الصفقة بأي ثمن، فأنت لا تدخل التفاوض من موقع قوة. لذلك يجب أن تبدأ المفاوضات قبل الجلوس إلى الطاولة: ببناء البدائل، وجمع المعلومات، وفهم مصالح الطرف الآخر، ومعرفة حدودك، وتحديد أفضل بديل لديك إذا فشلت الصفقة.
القوة التفاوضية ليست في ارتفاع الصوت، ولا في القدرة على تخويف الطرف الآخر، ولا في امتلاك أكثر عدد من المحامين. القوة هي أن تكون قادرًا على قول «لا» عندما يكون «لا» هو القرار الصحيح.
الاتفاق الجيد هو اتفاق قابل للحياة
بالنسبة إلى بيترسون، الصفقة الناجحة ليست تلك التي يخرج منها طرف منتصرًا والآخر مهزومًا. الاتفاق الجيد هو الذي يصمد. لا قيمة كبيرة لاتفاق يبدو ممتازًا على الورق إذا تحول بعد ستة أشهر إلى دعوى قضائية.
ولهذا تصبح الثقة عنصرًا أساسيًا. عندما تكون الثقة عالية، لا يحتاج الطرفان إلى العودة إلى العقد عند كل مشكلة. يمكنهما الجلوس والتحدث وحل المسألة. العقد مهم، لكن العلاقة التي تجعل العقد قابلًا للتطبيق أهم.
وهنا تتحول المفاوضات من «صفقة» إلى علاقة طويلة الأجل.
التفاوض محادثة قبل أن يكون معركة
ربما يكون التغيير الذهني الأهم الذي يقترحه بيترسون هو النظر إلى التفاوض باعتباره محادثة. نحن نجيد المحادثات. نتحدث كل يوم. نسأل، ونستمع، ونشرح، ونختلف، ونبحث عن حلول. لكن كلمة «تفاوض» تجعلنا أحيانًا نتخيل غرفة مغلقة، وطاولة تفصل بين طرفين، وكل طرف يحاول انتزاع شيء من الآخر.
إذا غيرنا هذا التصور، تتغير طريقة التعامل. نصبح أكثر استعدادًا للاستماع، وأكثر قدرة على طرح الأسئلة، وأكثر اهتمامًا بفهم مصالح الطرف الآخر، وأكثر استعدادًا للبحث عن حلول إبداعية. والهدف في النهاية ليس أن تقول: «لقد هزمته».بل أن تتمكن بعد سنوات من النظر إلى الاتفاق والقول: كان اتفاقًا جيدًا للطرفين.
هذه هي الفكرة المركزية في فلسفة جويل بيترسون: التفاوض ليس مجرد وسيلة للحصول على أفضل صفقة ممكنة، بل وسيلة لبناء اتفاقات قابلة للاستمرار، وعلاقات تقوم على الثقة، وسمعة تجعل المفاوضات المستقبلية أسهل. فالمفاوض الحقيقي لا يقيس نجاحه بعدد المعارك التي ربحها، بل بعدد العلاقات والصفقات التي استطاع أن يجعلها تستمر.



