إصلاح منهج التاريخ في لبنان: لماذا يحتاج لبنان إلى منهج تاريخ موحّد وحديث؟

نُشر هذا المقال في موقع The Beiruter بتاريخ 23 تموز/يوليو 2026، ويتناول في مقابلة مع الدكتور أمين إلياس، أستاذ التاريخ وعضو الجمعية اللبنانية للدراسات التاريخية، أزمة تدريس التاريخ في لبنان، والحاجة إلى إصلاح منهج التاريخ في لبنان بما يواكب المعايير التربوية الحديثة ويعزز الهوية الوطنية دون فرض رواية تاريخية واحدة على جميع اللبنانيين.

يوضح الدكتور إلياس أن الجدل الدائر منذ سنوات حول اعتماد كتاب تاريخ موحّد يقوم على فهم غير دقيق للواقع، إذ إن لبنان يمتلك منذ أواخر ستينيات القرن الماضي منهجاً تاريخياً وطنياً موحداً، بينما تُترك حرية تأليف الكتب المدرسية للناشرين والمؤلفين ضمن هذا الإطار. لذلك، لا تكمن المشكلة في غياب منهج موحّد، بل في تقادمه وعدم تحديثه طوال نحو ستة عقود. ويرى أن الحل الأنسب لا يتمثل في فرض كتاب رسمي واحد، بل في اعتماد منهج وطني حديث وشامل يسمح بتعدد المقاربات التاريخية مع الحفاظ على قاعدة معرفية مشتركة يتلقاها جميع الطلاب، بما ينسجم مع طبيعة المجتمع اللبناني المتعدد ويمنع تهميش أي مكوّن.

ويتناول المقال الأسباب السياسية التي عطلت إصلاح منهج التاريخ في لبنان منذ اتفاق الطائف، إذ فشلت الحكومات المتعاقبة في التوصل إلى توافق حول صياغة منهج جديد، رغم نجاحها في تحديث معظم المواد الدراسية الأخرى. ويستعرض محاولات سابقة تعثرت بسبب خلافات حول توصيف بعض المراحل التاريخية، والخلاف على الشخصيات التي يجب إدراجها في المناهج، إضافة إلى التباين في تفسير مفاهيم مثل “المقاومة”. ويؤكد الدكتور إلياس أن الأزمة لم تكن تربوية بقدر ما كانت انعكاساً للخلافات السياسية والذاكرة الجماعية المتعددة، حيث سعت مختلف القوى إلى تثبيت سرديتها الخاصة داخل المناهج التعليمية.

ويؤكد المقال أن إصلاح منهج التاريخ في لبنان أصبح ضرورة تربوية ووطنية، لأن المنهج الحالي لم يعد ينسجم مع التطورات الكبيرة التي شهدتها علوم التربية وأساليب التعليم حول العالم. فالدولة، بحسب إلياس، تمارس جزءاً من سيادتها من خلال رسم السياسة التعليمية وتحديد المعارف والقيم التي تُنقل إلى الأجيال الجديدة، كما أن تدريس التاريخ لا يهدف إلى حفظ المعلومات فقط، بل إلى إعداد مواطن قادر على التفكير النقدي، واحترام التنوع، وفهم حقوقه وواجباته، والمشاركة الإيجابية في بناء المجتمع.

ويعرض المقال أبرز ملامح المشروع الجديد الذي شارك الدكتور إلياس في إعداده ضمن لجنة التاريخ في المركز التربوي للبحوث والإنماء، والذي صدر بشأنه القرار الوزاري رقم 3445 في 15 تموز 2026. ويقوم المشروع على نقل تدريس التاريخ من ثقافة الحفظ والاستظهار إلى تنمية مهارات القرن الحادي والعشرين، مثل التحليل، والتقييم، والإبداع، والتعاون، والتواصل، والتفكير النقدي. كما يتبنى المنهج مقاربة موضوعية لا تقتصر على التاريخ السياسي، بل تمنح مساحة أوسع للتاريخ الاجتماعي والثقافي، والتراث، والفنون، وحياة الناس العاديين، مع ربط دراسة التاريخ بقضايا الحياة اليومية حتى يدرك الطلاب أهمية الماضي في فهم الحاضر والاستعداد للمستقبل.

ويختتم المقال بالتأكيد أن نجاح إصلاح منهج التاريخ في لبنان لن يتحقق بالعمل الأكاديمي وحده، بل يحتاج إلى إرادة سياسية تضع مصلحة الأجيال المقبلة فوق الحسابات الحزبية والطائفية. ويرى الدكتور أمين إلياس أن بناء مستقبل لبنان يبدأ ببناء مواطن يمتلك المعرفة، والتفكير النقدي، والانتماء الوطني، لأن المدرسة هي المكان الذي تُصاغ فيه صورة المواطن الذي سيقود البلاد بعد عقود.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn