لبنان بلد غني بتنوّع بيئته: الجبال، الغابات، الأنهار، والساحل. لكن هذا الغنى الطبيعي لا يجد مكانه الحقيقي في مدارسنا.
ما زال التلميذ يتلقى معلومات عن الطبيعة من كتب جامدة، في حين أن العالم من حوله مليء بفرص التعلّم الحيّ. في المقابل، نرى في دول مثل السويد والنرويج أن الصفوف تنتقل إلى الغابة والبحيرة، وفي اليابان يشارك الطلاب في مشروعات بيئية تخدم مجتمعاتهم. الفارق أن هناك وعيًا بأن البيئة ليست مجرد مادة دراسية، بل أسلوب حياة وممارسة يومية.
إذا أردنا إصلاحًا حقيقيًا في مناهجنا، علينا أن نبدأ من هنا. التعليم البيئي يمكن أن يكون بسيطًا وعمليًا: في الصفوف الأولى يزرع الأطفال نبتة صغيرة في حديقة المدرسة ويتعلمون من خلالها دورة الحياة. في المرحلة المتوسطة يمكنهم قياس نفايات صفهم أسبوعيًا وعرض النتائج في رسم بياني.
أما في الثانوية، فيمكن أن ينجزوا مشروعات أكبر، مثل خطة لتقليل استهلاك الكهرباء في المدرسة أو دراسة ميدانية عن التلوث في الحي. بهذه الطريقة يصبح الطالب مشاركًا في البحث عن حلول، لا مجرد حافظ لمعلومات.لكن نجاح هذا التوجه لا يعتمد على وزارة التربية وحدها. لا بد من تعاون واسع مع وزارات أخرى. وزارة البيئة يمكن أن تفتح أبواب المحميات الطبيعية أمام الطلاب وتوفر برامج تعليمية ميدانية. وزارة الطاقة تستطيع أن تدعم المدارس في مشاريع صغيرة للطاقة الشمسية وترشيد الاستهلاك.
أما وزارة الزراعة، فلها دور أساسي في تشجيع الزراعة المدرسية وإحياء العلاقة بين التلاميذ والأرض. بهذا التعاون، تصبح المدرسة نقطة التقاء بين التعليم والسياسات العامة، وبين التلميذ ومجتمعه.النتيجة المتوقعة ليست فقط طلابًا يعرفون كيف يزرعون أو يقيسون نسبة التلوث، بل جيل جديد يتعامل مع البيئة كمسؤولية شخصية وجماعية. مدارس أكثر انفتاحًا على محيطها، ومجتمع يشعر أن المدرسة تخدمه مباشرة.
إذا أردنا أن نحمي لبنان من أزماته البيئية المتفاقمة، علينا أن نبدأ من الجيل الصغير. أن نخرجه من جدران الصفوف إلى فضاء الطبيعة، ليكتشف بنفسه معنى الانتماء والمسؤولية. هناك، في الحقول والسواحل والجبال، تبدأ التربية الحقيقية التي يمكن أن تضع بلدنا على مسار جديد.



