التعليم في زمن الحرب: فعلُ حياة – قراءة في كتاب التعليم في زمن الحرب

نُشر هذا الكتاب على موقع مركز الدراسات اللبنانية بالتعاون مع مجلة منهجيات، ضمن إصدار خاص يجمع شهادات وتجارب تربويين من فلسطين ولبنان حول التعليم في زمن الحرب بوصفه ممارسة حياة ومقاومة، لا مجرد خدمة إنسانية طارئة.


ينطلق كتاب التعليم في زمن الحرب من سؤال وجودي: ماذا يبقى من التعليم عندما تتحول المدارس إلى أنقاض، ويُستهدف المعلمون والطلبة، وتُمحى الجامعات من الخريطة؟ النص لا يقدّم مقاربة تقنية لإدارة التعليم في الطوارئ، بل يقدّم شهادة أخلاقية ومعرفية تعيد تعريف الحقل برمّته. فالكتاب يضع أصوات المعلّمين الفلسطينيين واللبنانيين في مركز السرد، لا بوصفهم موضوعًا للدراسة، بل بوصفهم منتجي معرفة ومنظّرين لتجربتهم الخاصة.


يستند الإطار الفكري للعمل إلى مقولة bell hooks حول التعليم بوصفه ممارسة للحرية، كما وردت في كتابها Teaching to Transgress. غير أن الكتاب يذهب أبعد من الاستشهاد النظري، إذ يختبر هذا المفهوم في أكثر السياقات قسوة: غزة تحت الإبادة، والضفة الغربية تحت الاحتلال، ولبنان تحت القصف. هنا يصبح التعليم في زمن الحرب فعل تحدٍّ مباشر لمنطق الفناء، وإصرارًا على أن المستقبل لا يُلغى حتى لو احترق الحاضر.


ينتقد الكتاب البنية السائدة لحقل “التعليم في النزاعات” الذي توسّع خلال العقود الخمسة والعشرين الماضية بدفع من الأزمات العالمية والتمويل الدولي. ويكشف كيف خضع هذا الحقل لأولويات المانحين ومنطق “بناء السلام الليبرالي” الذي يركّز على الاستقرار الإداري بدل العدالة السياسية. تحت شعار “الحياد”، تحوّل التعليم إلى تدخل تقني يُقاس بمؤشرات ومعايير دنيا، فيما جرى تهميش الأسئلة الجذرية حول الاحتلال والعنف البنيوي والاستعمار.


في سياق غزة تحديدًا، يبرز التعليم في زمن الحرب بوصفه اختبارًا أخلاقيًا للحقل الأكاديمي والإنساني. إذ يكشف الكتاب تردد مؤسسات دولية في تسمية الجرائم، وخشيتها من فقدان التمويل، وصمت شبكات أكاديمية بنت مسيرتها المهنية على دراسة فلسطين. ينتقد النص اختزال أخلاقيات البحث في إجراءات بيروقراطية، ويفضح انفصال المعرفة عن مسؤوليتها التاريخية تجاه المجتمعات التي تنتج منها.


غير أن الكتاب لا يكتفي بالنقد، بل يقدّم بديلًا معرفيًا. فهو يقترح إعادة بناء حقل التعليم في زمن الحرب كساحة تضامن جذري، لا امتدادًا لمصنع الإغاثة. المعرفة هنا لا تُحتكر في جامعات الشمال العالمي، بل تُستعاد من التجربة الحية للمعلمين الذين كتبوا مناهجهم وسط القصف، ومن الأطفال الذين حوّلوا الخيام وأطلال البيوت إلى فصول دراسية.


تتوزع مقالات الكتاب على شهادات وتجارب متعددة. تفتتح منار الزريعي الإصدار بسرد إنساني عن الأثر العاطفي للحرب وصعوبة حماية الطلاب تحت القصف. يعيد د. شبير التفكير في مفهوم التعلّم عبر تتبّع مسارات تعليم غير صفّي نشأت في غزة، حيث تحوّلت المحنة إلى بيئة تعلم بديلة. تنقل أسماء مصطفى صورة الشوارع المدمرة كفصول مفتوحة لتدريس الصمود، فيما تجسّد شريهان بكرون المدرسة كبيت ثانٍ يحتضن الفرح والفقد معًا. تكتب ميسون أبو موسى عن العودة والذاكرة والأمل العنيد، مؤكدة أن المعلم يشبه الطبيب: كلاهما يضع يده على موضع الألم، أحدهما يداوي وطنًا والآخر يرمم روحًا.


يتعمق الكتاب كذلك في الجوانب النفسية والتربوية؛ يناقش شادي عماري الجروح غير المرئية في نفوس الأطفال، ويطرح محمد تيسير الزعبي إطارًا لمنهاج مرن سريع الاستجابة، بينما تقدّم جمانة خروفة حزبون استراتيجيات دعم عملية للأطفال المتأثرين بالصدمة. وتتساءل رولا قبيسي وجنفياف أوديه عن حدود الأمل حين ينهار المعلم نفسه. كل هذه الإسهامات تؤكد أن التعليم في زمن الحرب ليس تحضيرًا مؤجلًا للحياة، بل هو الحياة ذاتها في أكثر تجلياتها هشاشة وصلابة.


الرسالة المركزية واضحة: لا يمكن اختزال التعليم في النزاعات في مفهوم “الصمود” المجرد أو “التربية من أجل السلام” المعزولة عن العدالة. أطفال غزة لا يحتاجون إلى دروس نظرية عن السلام بقدر ما يحتاجون إلى إنهاء العنف الذي يُنتج غياب السلام. ومن هنا يصبح التعليم في زمن الحرب جبهة مقاومة معرفية وأخلاقية، تحمي الذاكرة، وتعيد تعريف الحق في التعلم باعتباره شريان حياة.


في خاتمته، يقدّم الكتاب تصورًا لإعادة تأسيس الحقل على مساءلة جذرية: مساءلة التمويل، ومسؤولية المعرفة، وعلاقة البحث بالمجتمع. إنه دعوة صريحة إلى كسر وهم الحياد، والاعتراف بأن التعليم في سياقات الإبادة والاستعمار لا يمكن أن يكون محايدًا. الأصوات التي يجمعها هذا العمل لا تطلب تعاطفًا عابرًا، بل عدالة ومحاسبة.


بهذا المعنى، يشكّل كتاب التعليم في زمن الحرب وثيقة فكرية وإنسانية تؤرّخ للحظة تاريخية مفصلية، وتعيد تعريف التعليم بوصفه فعل حياة، وحقًا في الوجود، وممارسة حرية لا تُقصف ولا تُختزل في مؤشرات تمويل.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn