كشف استبيان وطني شمل أكثر من ألف أستاذ جامعي في الولايات المتحدة عن صورة معقدة لانقسام الرأي داخل الحرم الجامعي حول قضايا حرية التعبير، ومبادرات التنوع والإنصاف والشمول، وما يرتبط بها من سجالات سياسية وثقافية.
وقد أظهر الاستبيان أن الانقسام يتجلى بشكل أوضح بين الولايات ذات الأغلبية المحافظة أو ما يعرف بالولايات الحمراء، وتلك ذات الميول التقدمية أو الزرقاء، حيث يختلف الأساتذة في مقاربتهم لهذه الملفات التي أصبحت جزءًا من النقاش السياسي العام في أميركا.
إلا أنّ النتيجة المفاجئة واللافتة كانت وجود توافق شبه كامل بين الطرفين على ضرورة دعم التنوع الديني والروحي داخل الجامعات، وإيجاد بيئة تحترم المعتقدات المتعددة وتمنح الطلاب والأساتذة حرية التعبير عن هوياتهم الدينية دون تهميش أو إقصاء.
هذا التوافق يعكس واقعًا مثيرًا للاهتمام، إذ إنه يأتي في وقت تبدو فيه الخطوط الفاصلة بين الانتماءات السياسية حادة ومشحونة بالخلاف. ومع ذلك، فإن موضوع التنوع الديني يبدو وكأنه مساحة وسطية يتفق عندها الأساتذة بغض النظر عن خلفياتهم السياسية والفكرية.
فالنتائج بيّنت أن الأكاديميين سواء كانوا محافظين أو ليبراليين يرون أنّ الاعتراف بالتنوع الديني يشكّل عنصرًا أساسيًا في بناء مجتمع جامعي أكثر شمولًا وعدالة، بل ويمكن أن يكون نموذجًا يساعد على تهدئة الاستقطاب الحاد الذي يطبع الحياة العامة الأميركية.البحث الذي أشرف عليه فريق أكاديمي بدعم من مؤسسة “Templeton Religion Trust” – وهي منظمة تهتم بتمويل الدراسات المتعلقة بالدين وتأثيره على المجتمع – سعى إلى استكشاف كيفية انعكاس الممارسات والسياسات الداعمة للتنوع الديني على جودة الحياة في الحرم الجامعي.
وقد أظهر أن الاعتراف بالاختلافات الدينية لا يقتصر على كونه مجرد واجب أخلاقي، بل يساهم أيضًا في تعزيز شعور الطلاب بالانتماء، وفي تشجيع الحوار بين مكونات المجتمع الجامعي المختلفة.
الأهم أن هذا التوجه يعكس تحوّلًا في التفكير الأكاديمي حول مفهوم التنوع بحد ذاته، إذ لم يعد ينحصر فقط في الهوية العرقية أو الجندرية أو الثقافية، بل بات يشمل أيضًا الأبعاد الروحية والدينية التي غالبًا ما تم تجاهلها أو التعامل معها بحذر شديد.
لذلك، فإن دعم هذا النوع من التنوع قد يفتح آفاقًا جديدة لتطوير سياسات جامعية أكثر توازنًا، ويمنح الجامعات دورًا محوريًا في تعزيز التعايش بين المختلفين.
بكلمات أخرى، رغم أن الجامعات الأميركية تبقى ساحة رئيسية للصراع حول الأفكار والقيم والسياسات، إلا أن الاتفاق حول أهمية حماية التنوع الديني يشكّل أرضية مشتركة يمكن البناء عليها لتخفيف حدة الاستقطاب، وربما لاستعادة دور الجامعة كمساحة للبحث الحر والحوار الهادئ.
وهو ما يجعل هذا الإجماع مفاجئًا ومبشرًا في آن، خاصة في وقت يزداد فيه الانقسام داخل المجتمع الأميركي حول معظم القضايا الأخرى.



