الجهل الأخلاقي وتفكك الضمير: قراءة فكرية

نُشر هذا النص في سياق نقاش عالمي واسع حول أزمة الضمير في العالم الحديث، حيث تتأمل الكاتبة ريم بالخذيري على صفحتها في جذور الجهل الأخلاقي وكيف تحوّل إلى أحد أخطر أمراض المجتمعات المتعلمة.

ترى بالخذيري أن العالم الحديث بنى آلاف المدارس والجامعات وخرّج أجيالًا من حملة الشهادات في الطب والهندسة والفقه والاقتصاد والآداب، لكنه فشل في بناء الضمير، لأن التعليم ركّز على المهارة بدل الإنسانية، وعلى النجاح الأكاديمي بدل النزاهة، وعلى الامتحان بدل البصيرة.

وهكذا وُلدت فجوة حقيقية بين المعرفة والسلوك، فصار الإنسان يعرف الكثير عن كيفية عمل العالم لكنه يجهل كيفية العيش بكرامة وعدل، وهو ما تعرّفه الكاتبة بأنه «الجهل الأخلاقي» الذي لا يقل خطرًا عن أي جهل آخر، بل قد يكون أخطرها.تشرح بالخذيري أن الجهل الأخلاقي ليس انحرافًا مباشرًا، بل هو عمى قيمي يجعل الإنسان بلا بوصلة داخلية، فيبرّر العالم البارع الظلم، ويستسلم الطبيب لغواية المكسب، ويسكت العالم الشرعي عن الفساد باسم المصلحة، ويخدع السياسي الناس باسم الوطنية.

هذا الجهل الأخلاقي أخطر من الجهل الفكري، لأن الجاهل فكريًا يمكن تعليمه، أما الجاهل أخلاقيًا فيبرّر انحرافه ويمنحه قداسة. وتعيد الكاتبة سبب تضخم الجهل الأخلاقي إلى منظومات تعليمية أنتجت مهارة بلا وعي، ومعرفة بلا ضمير، وعقلاً بلا قلب.

خرج الطالب بعد سنوات من التعليم دون أن يتلقّى درسًا واحدًا في الصدق كقيمة حياتية أو في المسؤولية أو الاعتراف بالخطأ، ولهذا ترى بالخذيري أن حمل الشهادات لا يعني حمل الأخلاق.وتنتقد الكاتبة الخلط الشائع بين التدين والأخلاق، مؤكدة أن كل متدين ليس بالضرورة أخلاقيًا، لأن التدين الشكلي لا يبني ضميرًا بل طقسًا، بينما الإنسان الأخلاقي يحمل جوهر الدين الفعلي: الإحسان والصدق والعدل ونقاء السريرة.

وهنا يتجلى مرة أخرى مفهوم «الجهل الأخلاقي» حين يظن الإنسان أن ممارساته الشكلية تغنيه عن تهذيب القلب ومراجعة الذات. وترى بالخذيري أن هذا النوع من الجهل الأخلاقي حين يتحول إلى ظاهرة جماعية فإنه يدمّر الضمير العام، فيتعلم الطفل أن الغاية تبرر الوسيلة وأن الذكي من يلتف على القانون، فتتكرّس ثقافة الفساد باعتبارها مهارة اجتماعية.

وتدعو ريم بالخذيري إلى ثورة تربوية تعيد الأخلاق من الهامش إلى قلب العملية التعليمية، فتُعلّم الطفل كيف يفكر قبل أن يحكم، وكيف يختلف دون أن يكره، وكيف يخدم مجتمعه بإخلاص لا بمصلحة. وترى أن الانتقال من الجهل الأخلاقي إلى النضج الإنساني هو ميلاد جديد للضمير الجمعي وطريقٌ من التدين الشكلي إلى الإيمان الواعي.

وفي خاتمة النص تؤكد بالخذيري أن العلم بلا أخلاق يصنع أدوات دمّرت ما هو إنساني، وأن الأخلاق بلا علم تصنع سذاجة توقف التقدم، أما اتحادهما فيولد الوعي، وهو الشرارة الأولى لأي نهضة حقيقية. وتعيد الكاتبة التشديد على أن مواجهة الجهل الأخلاقي ليست رفاهية بل ضرورة وجودية، فالأمم لا تنهض حين تتعلم فقط، بل حين تكون إنسانية وهي تتعلم.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn