لم تعد نتائج PISA 2025 مجرد مؤشر تربوي، بل أصبحت مرآة للتحول الجيوسياسي في الاقتصاد والمعرفة. فبعد عقدين من الزمن، انتقلت قيادة العالم في الرياضيات من نموذج أوروبي–غربي متوازن إلى هيمنة آسيوية شبه كاملة، في إشارة إلى أن المنافسة المقبلة ستُحسم في الفصول الدراسية قبل المصانع والأسواق.
في عام 2003 كانت هونغ كونغ وفنلندا وكوريا الجنوبية تتصدر المشهد، بينما تقاسمت أوروبا وآسيا المراكز الأولى. أما في 2025، فقد أصبحت الدول السبع الأعلى أداءً كلها آسيوية: الصين، سنغافورة، ماكاو، تايوان، اليابان، كوريا الجنوبية، وهونغ كونغ.انقلاب في ميزان التفوق
الصين سجلت 612 نقطة في الرياضيات، متقدمة بفارق واسع على سنغافورة (563)، بينما تراجع متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى 463 نقطة، وهو أدنى مستوى تاريخي تقريباً.لماذا تتراجع دول كانت تُضرب بها الأمثال؟اللافت ليس صعود آسيا فقط، بل هبوط أسماء ارتبطت لعقود بجودة التعليم. فنلندا خسرت 75 نقطة منذ 2003، وكندا تراجعت من 532 إلى 485، وهولندا من 538 إلى 483.
هذا الانخفاض لا يعني انهيار تلك الأنظمة التعليمية، لكنه يكشف أن المحافظة على التفوق أصعب بكثير من تحقيقه، خصوصاً مع تغير أنماط التعلم والتكنولوجيا وسلوك الطلاب.الهاتف الذكي… ليس بريئاًتشير بيانات PISA إلى ارتباط واضح بين الاستخدام الترفيهي المكثف للأجهزة الرقمية والأداء الرياضي. فالطلاب الذين يقضون أكثر من أربع ساعات يومياً في الترفيه الرقمي يميلون إلى تسجيل نتائج أدنى، كما يشعرون بانتماء مدرسي أضعف.
في المقابل، لم تجد الدراسة أن المنع الكامل هو الحل؛ إذ بدا أن الاستخدام المعتدل يرتبط بنتائج أفضل من الإفراط أو الامتناع التام.
ماذا يعني ذلك للبنان والعالم العربي
قد يبدو عالمنا بعيداً عن هذه المنافسة، لكن الحقيقة معاكسة تماماً. فاقتصاد المستقبل لن يُقاس بعدد الجامعات فقط، بل بقدرة المدارس على إنتاج مهارات رياضية وتحليلية تؤهل الشباب للذكاء الاصطناعي، وهندسة البرمجيات، والاقتصاد الرقمي.
بيروت كانت تاريخياً عاصمة تعليمية في الشرق الأوسط، لكنها تواجه اليوم سؤالاً وجودياً: هل تستعيد دورها كمركز لإنتاج المعرفة، أم تكتفي بتصدير خريجيها إلى اقتصادات تتصدر هذه المؤشرات؟
الدرس الأهم من PISA 2025 ليس أن آسيا أصبحت الأولى، بل أن الاستثمار الطويل في التعليم الأساسي تحوّل إلى ميزة استراتيجية تعيد توزيع النفوذ الاقتصادي العالمي. ومن يريد مكاناً في اقتصاد الذكاء الاصطناعي، عليه أن يبدأ من حصة الرياضيات في المدرسة، لا من مختبرات التكنولوجيا فقط.



