بطالة المتعلّمين تختبر مستقبل سوق العمل السورية

نُشر هذا المقال في جريدة “المدن” الإلكترونية، ضمن قسم الاقتصاد، ويتناول بالتحليل والتحقيق مسار سوق العمل السورية بعد التحوّل السياسي الذي أعقب الثامن من كانون الأول 2024، مع تركيز خاص على بطالة المتعلّمين في ظل موجة الانفتاح والاستثمارات الموعودة.يعرض المقال صورة مركّبة لسوق العمل في سوريا، حيث يتقاطع التفاؤل السياسي الناتج عن الانفتاح الخارجي مع واقع اقتصادي لا يزال مثقلاً بتركة طويلة من الانكماش والاختلالات البنيوية. فمن جهة، يشير إلى بدء تدفّق استثمارات وعقود في قطاعات الطاقة والبنى التحتية، وإلى خطوات إعادة إدماج سوريا في الاقتصاد الدولي عبر زيارات فنية وقرارات تخفيف قيود، ومن جهة أخرى يبيّن أن هذا المسار لم ينعكس بعد تحسناً فعلياً وملموساً في مؤشرات التشغيل، خصوصاً بين فئة المتعلمين وحملة الشهادات الجامعية.

ينطلق المقال من الأرقام الأساسية التي ترسم المشهد الكلي لـ سوق العمل السورية، حيث تُظهر بيانات المؤسسات الدولية انخفاضاً واضحاً في معدلات المشاركة في القوى العاملة، وارتفاعاً في معدلات البطالة وفق تقديرات متعددة تختلف باختلاف منهجيات القياس. هذه الأرقام لا تُقرأ كمعطى آني فحسب، بل كتراكم تاريخي لسنوات من التراجع الاقتصادي، ما يجعل أي تحسّن مستقبلي مرهوناً بسرعة وفعالية ترجمة الاستثمارات إلى نشاط اقتصادي حقيقي.ويتوقف المقال عند الفجوة الزمنية بين الإعلان عن الاستثمارات وبدء أثرها التشغيلي، موضحاً أن عقود الطاقة والبنى التحتية، رغم أهميتها، تحتاج إلى وقت طويل قبل أن تتحول إلى فرص عمل مستقرة. هذا البطء يفسّر، بحسب خبراء، سبب بقاء “الإيرادات الاستثمارية” في إطار التفاؤل السياسي أكثر من كونها واقعاً اجتماعياً محسوساً في سوق العمل.في هذا السياق، ينقل المقال آراء خبراء اقتصاديين يؤكدون أن سوق العمل السورية لا تزال في مرحلة انتقالية مضطربة، تتسم بضعف البنية التحتية، وتراجع الإنتاج، وغياب سياسات مالية ونقدية فعّالة. كما يشيرون إلى أن الأرقام الرسمية حول البطالة تفتقر إلى الدقة، وأن أي حديث عن تحسّن فعلي يبقى سابقاً لأوانه ما لم تدخل استثمارات حقيقية تؤثر مباشرة في الطلب على اليد العاملة. ويرتبط ذلك أيضاً بغياب إصلاحات ضريبية واضحة، وتعثر دور المصرف المركزي في ضبط سعر الصرف وتوفير السيولة، ما ينعكس سلباً على بيئة الأعمال والتوظيف.

ولا يغفل المقال الإشارة إلى بعض المؤشرات الجزئية الإيجابية، مثل الارتفاع التدريجي في الأجور في القطاع الخاص، وظهور طلب محدود لكنه متزايد على العمالة، خاصة في مجالات لا تتطلب مؤهلات عالية. إلا أن هذه المؤشرات، وفق التحليل، لا تكفي لمعالجة جوهر المشكلة، خصوصاً بطالة المتعلمين التي تُعدّ الأكثر تعقيداً وخطورة.

ويبرز المقال أن جوهر أزمة المتعلمين في سوق العمل السورية لا يكمن فقط في قلة الفرص، بل في “جودة التشغيل” والفجوة المهارية. فالسوق الحالية تطلب مهارات تقنية وعملية محددة لا يوفرها التعليم الرسمي التقليدي، ما يؤدي إلى فائض من الخريجين غير المتوافقين مع حاجات القطاعات الناشئة، مثل الطاقة المتجددة، والصيانة الصناعية، والتحوّل الرقمي، والخدمات اللوجستية. هذا الواقع يدفع كثيرين إما إلى الهجرة، أو إلى القبول بوظائف أقل من مستواهم التعليمي ضمن الاقتصاد غير الرسمي.

كما يسلّط المقال الضوء على القطاعات التي يُتوقع أن تكون الأكثر قدرة على توليد فرص عمل في المرحلة المقبلة، مثل الزراعة والصناعات المرتبطة بها، السياحة، والطاقة، إضافة إلى بعض القطاعات الثقافية كالإنتاج الدرامي. غير أن تحويل هذه الإمكانيات إلى فرص فعلية يبقى مشروطاً بسرعة التنفيذ، واستقرار الإمدادات، وربط الاستثمارات ببرامج تدريب وتشغيل محلية.

ويخلص المقال إلى أن سوق العمل السورية تقف اليوم عند مفترق حاسم: فإما أن يُستثمر الانفتاح الاقتصادي في بناء منظومة تشغيل مستدامة تستفيد من رأس المال البشري المحلي، وإما أن تتحول الاستثمارات إلى مشاريع معزولة لا تخفف البطالة، بل تعمّقها، وتسرّع هجرة الكفاءات. وعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يقتصر على جذب رؤوس الأموال، بل يتجاوز ذلك إلى إصلاح البنية المؤسسية، وتأهيل الموارد البشرية، وربط الاستثمار بالتنمية الفعلية.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn