الأزمة الراهنة في الأقساط المدرسية لم تعد مجرد مسألة مالية بين إدارات المدارس وأولياء الأمور، بل تحولت إلى انعكاس مباشر للتحديات البنيوية التي يواجهها قطاع التعليم في لبنان ككل.
من جهة الأهالي، تآكلت القدرة الشرائية بفعل تضخم الأسعار وانهيار قيمة الليرة، فيما الرواتب والمداخيل لم تلحق بالارتفاعات الحادة في كلفة المعيشة. كثير من الأسر التي كانت تصنَّف ضمن الطبقة الوسطى تجد نفسها اليوم عاجزة عن تسديد الفواتير الأساسية، لتأتي الأقساط المدرسية، التي زادت بنسبة 20 إلى 40 في المئة خلال عامين فقط، كعبء إضافي يفوق قدرتها على التحمل. وتفاقم هذا العبء مع لجوء بعض المدارس إلى فرض رسوم مقطوعة بالدولار النقدي، سواء لصناديق دعم أو أنشطة أو تجهيزات، دون أن يكون هناك إطار رقابي فعّال أو مشاركة حقيقية من لجان الأهل في اتخاذ القرار.
على الجانب الآخر، تواجه المدارس نفسها واقعاً لا يقل قسوة. الانهيار الاقتصادي أفقدها جزءاً كبيراً من احتياطاتها المالية المودعة في المصارف، ما قلّص قدرتها على تمويل تطوير مرافقها أو الاستثمار في تقنيات تعليمية حديثة.
وفي ظل تضخم أسعار المواد والخدمات، ارتفعت كلفة التشغيل بشكل ملحوظ، بدءاً من رواتب المعلمين التي تحتاج إلى تصحيح مستمر لجذب الكفاءات أو الإبقاء عليها، مروراً بأسعار الطاقة والصيانة، وصولاً إلى النفقات الإضافية المرتبطة بالمناهج الرقمية والتجهيزات الحديثة. هذه الاحتياجات التمويلية تضع الإدارات أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما تثبيت الأقساط والمخاطرة بتدهور جودة التعليم، أو رفعها وتحميل الأهل عبئاً قد يعجزون عن سداده.
هذا التباين الحاد بين قدرة الأسر المحدودة وحاجة المؤسسات للاستثمار في التطوير، يخلق حلقة مفرغة تهدد استقرار العملية التعليمية على المدى البعيد. فالأهالي قد يلجؤون إلى نقل أبنائهم إلى مدارس أقل كلفة، ما يضغط على المدارس ذات الجودة الأعلى ويدفعها إما إلى تقليص خدماتها أو رفع أقساطها أكثر لتعويض النقص.
وفي غياب تدخل تشريعي ينظم الموازنات المدرسية ويراقب بنود الإنفاق، تبقى العلاقة بين الطرفين محكومة بالتجاذب والصراع بدل الشراكة، بينما يتراجع الهدف الأسمى وهو ضمان تعليم نوعي ومستدام. الإصلاح المطلوب يتجاوز مجرد ضبط الأسعار، ليشمل إعادة النظر في قانون الموازنة المدرسية، ووضع آليات شفافة لتوزيع الأعباء بين الدولة، والأهالي، والمدارس، بما يحفظ حق الطالب في التعليم الجيد، ويمنح المؤسسات القدرة على التطوير دون إرهاق المجتمع.



