غالبا ما ارتكزت دراسات علم النفس التربوي على مفهوم الرغبة او الدافعية كشرط جوهري لفعل التعلم. وينبني هذا الافتراض على نظرية التحليل النفسي التي بلورت مع فرويد مصطلح الدوافع الابستموفيلية. أعود إلى هذه الفكرة لتحليلها بشىء من الاقتضاب. يعود بنا هذا المصطلح الى ترجمات متعددة مثل “الدافع المعرفي” الرغبة في المعرفة” أو “الفضول المعرفي”. مهما كانت الترجمات لا بد من التاكيد ان الدوافع الابستموفيلية تمثل محركا نفسيا مرتبطا بالسيادة (العلاقة بين السيادة والمعرفة) ومرتبطا بالوعي بالانا والاخر (إدراك الطفل لذاته وعلاقته بالام كاخر). لسنا نريد هنا ان نتعمق تقنيا في هذه النظرية. ما يستوقفنا اساسا هو تاكيدها على ان هذه االدوافع تتمظهر في شكل تساؤلات هواجس يعيشها الطفل حول اناه، هويته، أصوله، والديه، العالم، الجزاء، العقاب، الآخر والتي تتشكل بمقتضاها النظريات المعرفية الاولى للطفل.
ما يستوقفنا هنا ايضا هما امرين اثنين : اولا تتشكل الرغبة في معنى الحرمانprivation وفي معنى ديناميكية بحث وفي معنى تجربة احباط وفي معنى غياب التوافق في الحقل النفسي. انها اذن تجربة الم واصطبار. اما الامر الثاني فيتمثل في التاكيد على ان المعرفة في معنى المضامين والخبرات كموضوع تاتي كاشباع اي كنتيحة اي ما به يتم الخروج من حالة الحرمان واللاتوافق الى لحظة الاشباع والشعور بالرضا. من هنا تتشكل حسب رايي الاختلافات الجوهرية بين التعلم والمعرفة. مسار التعلم هو مسار ينتفي فيه التوافق النفسي والذهني مؤقتا. التعلم هو مسار يبقي فيه التو افق الذهني معلقا ويفتقد من خلاله الشعور بالرضا على الاقل للحظة ما. اما المعرفة فعي اشباع. وقد يقتضي الاشباع تعلقا بالوهم او بالظن وليس تعلقا بالتعلم.
وفي الحقيقة لقد ادت العديد من العوامل البيداغوجية والتربوية والتكنولوحية المعاصرة الى تعطل الرغبة في التعلم رغم تملك الافراد لبعض من المضامين المعرفية مهما كانت مستويات بلورتها النقدية ومشروعيتها الابستمولوحية.
فالوسائل التكنولوحية كما العديد من الوضغيات البيداغوجية التلقينية تسمح لطفل ان يعرف دون ان يتعلم. اضافة لذلك قد تمثل التربية العائلية والإجتماعية- بما هي تربية تقوم على اشباع اهواء الطفل – مجموعة من الاليات التي ادت الى انخفاض الرغبة في التعلم لدى الأطفال الى حدودها الدنيا وهو امر يلحظه الاولياء والمعلمون وكل المشتغلين في حقل التربية والتعليم. ولعل ذلك هو ما يدفعنا الى طرح الاسئلة التالية : كيف يمكن اعانة الطفل عل استعادة الرغبة في التعلم؟ كيف يمكن ان نستحث الرغبة في التعلم لدى الأطفال ؟ ما الاليات البيداغوجية التي تساعد على تحفيز الرغبة في التعلم واستثمارها ؟
لا يمكن ان تستحث الرغبة ميكانيكيًا. تنشا الرغبة كنتيحة لديناميكية باطنية خاصة. لا تستحث الرغبة بفعل سلطة الاخر او جاذبية الموضوع. ان محاولات المربي ان يستحث الطفل بفعل السلطة او بفعل جاذبية مضمون ما يقدمه قد لا تؤدي في غالب الاوقات الى تحريك سكون الرغية.
الرغبة هي محرك باطني يتحرك بدوافع باطنية وذاتية. ولعل ذلك هو ما مثل موضوع الملتقى العلمي للتربية الجديدة سنة 1921والذي شاركت فيه قامات معرفية في علم النفس والتربوي كجون بياجي واوفيد ديكرولي وماريا منتسوري. لقد تمحورهذا الملتقى حول الاشكال التالي: اذا كانت رغبة التعلم ديناميكية باطنية ذاتية وعرضية فكيف يمكن استثارتها بيداغوجيا ونظاميا ؟
* الوضعية المشكل : ضمن هذا الافق الابستمولوجي تمت بلورة مفهوم الوضعية المشكل كحيلة نستحث من خلالها الرغبة. ولعل هذا المفهوم هو استرداد لمصطلح الحيلة التعليمية الشهيرة التي صاغتها تأملات روسو في “إميل” و التي استعادتها بشكل كلي بيداغوجيا الطرق النشيطة. ينتظم بمقتضى هذه المقاربات التمشي التعليمي التعلمي في شكل وضعيات مشكل تسمح بخروح الطفل من وضعية التوافق الذهني التي تسيطر عليه. بشكل اكثر دقة يمكن القول اننا نتحدث عن وضعية مشكل حينما يصطدم التلميذ بوضعيات يتطلب حلها استعمال مجموعة من المعارف لا يتملكها. جوهر الوضعية المشكل هو ان يقبم الطفل مؤقتا في تجربة تعليق الحكم وغياب اليقين اي اللاتوازن العرفاني. و تاخذ هنا مفاهيم الهدف العائق، والصراعات المعرفية الذاتية والإجتماعية كامل صلاحياتها الديداكتيكية.
الى جانب هذه الدراسات قام العديد من المختصين في التربية ببلورة وصياغة مجموعة من الاستراتيجيات البيداغوجية والتعلمية لعل من اهمها :
* التأطير الابستمولوحي للمعارف : لا بد من ربط المعارف بمسار تكونها الابستمولوحي. لا يتم ذلك الا حينما نقدم المعارف للتلميذ لا على انها يقينيات للحفظ واستردادها في وضعيات تقييمية وانما على انها إجابات عن أسئلة وحلول لمشاكل. ينبغي ربط المعارف بالأسئلة التي انتجتها والمشاكل العلمية التي شرعت لظهورها. لعل ذلك هو ما يعطي معنى للمعارف لدى التلميذ و ما قد يستحثه نحو التعلم. ياخذ هنا مصطلح l’enfant epistemologue كامل مشروعيته.
* الاستخدام الاجتماعي للمعرفة المدرسية. يحتل هنا مفهوم الدافع الإجتماعي التوقعي مكانا مركزيا. فهو يستحث التلميذ ان يتقمص شخصية معينة ويقوم باستعمال المعارف المدرسية في سياقات اجتماعية. لكن اذا ما كانت هذه الطريقة ناجعة حينما يتعلق الامر بتعلمات تكنولوحية وايقاظية وجماليه وفنية وذات بعد اجتماعي وأخلاقي فانها تجد حدودها في سجل المعارف الصورية و اللغوية.
* المقاربة بالمشروع – تعتبر المقاربة بالمشروع من المقاربات التي تتطور بنسق سريع و على نطاق واسع في الممارسات اليومية للمدرسين. يتعلق الامر هنا بتوزيع التلاميذ في مجموعات تعمل ضمن مشروع مشترك كمثل إنتاج صحيفة مدرسية او لوحة إليكترونية او مجسم اوقصة… لكن لا بد هنا من التاكد ان الفريق يعمل ضمن مقاربة المشروع التي تقتضي التفاعل بين كل افراده وليس تجزئة العمل الى وحدات يتكفل كل فرد بجزا منها دون التفاعل معها



