حوكمة المسؤولية المجتمعية: رؤيتي للانتقال من الامتثال إلى خلق القيمة المستدام. كتب الاستاذ وارف قميحة

أؤمن تماماً أن الشركات العائلية هي حجر الأساس للاقتصادات العربية، ليس فقط لمساهمتها الضخمة في الناتج المحلي، بل لدورها التاريخي في توفير فرص العمل واستقرار السوق.

ومع ذلك، فإن القناعة التي خرجت بها من واقع الممارسة المهنية هي أن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في مجرد تبني مبادرات خيرية، بل في الانتقال الجذري من “الامتثال الشكلي” للمسؤولية المجتمعية إلى اعتماد حوكمة المسؤولية المجتمعية كجزء أصيل ومحرك لمنظومة صنع القرار الاستراتيجي داخل هذه الشركات.

​لقد طرحت في مداخلتي الأخيرة بالدوحة رؤية تعتبر الحوكمة المجتمعية إطاراً استراتيجياً يخلق قيمة اقتصادية واجتماعية مزدوجة. فالشفافية، والحوكمة المالية، والرقابة الداخلية، ليست مجرد قيود، بل هي أدوات لتحسين كفاءة استخدام الموارد وتحفيز الابتكار.

إننا نواجه تحديات بنيوية في بعض شركاتنا العائلية، تبدأ من تداخل الأدوار بين أفراد العائلة وتصل إلى ضعف الإفصاح، وهو ما يتطلب منا شجاعة في مأسسة العمل وربط المبادرات بالمعايير الدولية لتقارير الاستدامة.

​خارطة الطريق التي أقترحها للزملاء في قطاع الأعمال تعتمد على تحويل المسؤولية المجتمعية إلى أرقام ونتائج قابلة للقياس عبر مؤشرات أداء دقيقة.

يجب أن ندمج معايير الاستدامة البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG) مع المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية (IFRS). هذا الدمج هو ما يبني ثقة المستثمر ويمنح الشركة العائلية عمراً أطول يتجاوز الأجيال المؤسسة، ويجعل من الاستدامة ثقافة مؤسسية تتوارثها الأجيال القادمة المجهزة بالتكنولوجيا والابتكار.

​إن التكريم الذي حظيت به بجائزة الكفاءة العلمية هو في نظري تكريم لهذه الرؤية التي تحاول مواءمة الربحية مع التنمية المستدامة. إن حوكمة المسؤولية المجتمعية لم تعد مجرد التزام أخلاقي محدود الأثر، بل أصبحت ضرورة استراتيجية لضمان بقاء الشركات العائلية في عالم يزداد تعقيداً.

دعوتي الدائمة هي أن نستفيد من تجاربنا الرائدة محلياً ونكيفها مع واقعنا العربي، لنحول شركاتنا من مجرد كيانات ربحية إلى مؤسسات تنموية تقود التحول في مجتمعاتنا.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn