حين يصبح البيت ذكرى: النزوح في لبنان وتمزّق العائلة تحت وطأة الحرب | كتبت عبير درويش

في لبنان اليوم، لم يعد “البيت” مجرّد جدران وسقف، بل أصبح فكرةً مهدّدة، وذاكرةً معلّقة بين ما كان وما لم يعد ممكنًا. مع تصاعد الحرب الإسرائيلية واتساع رقعة القصف والنزوح، تعيش آلاف العائلات اللبنانية تجربة قاسية تعيد تعريف معنى المنزل، والانتماء، وحتى العائلة نفسها.

البيت، في الوعي اللبناني، لم يكن يومًا مجرد مكان للسكن. هو الامتداد الطبيعي للعائلة، مساحة الأمان، ومخزن الذكريات. فيه تكبر الأجيال، وتُنسج العلاقات، وتُبنى الهوية. لكن الحرب، حين تدخل البيوت، لا تدمّر الحجر فقط، بل تُفكّك هذا المعنى العميق.منزل بلا سقف… وعائلة بلا مركزمنذ الأسابيع الأولى للتصعيد، اضطر مئات آلاف اللبنانيين إلى مغادرة منازلهم تحت وطأة القصف أو التهديد المباشر. بعضهم خرج على عجل، حاملاً ما تيسّر من الأغراض، تاركًا خلفه صورًا، وكتبًا، وألعاب أطفال، وذكريات لا تُحمل في حقيبة.

في إحدى المدارس التي تحوّلت إلى مركز إيواء، تجلس عائلة مكوّنة من خمسة أفراد في صف دراسي ضيّق. تقول الأم: “هذا ليس بيتًا… نحن فقط ننام هنا”. هذه العبارة تختصر شعورًا عامًا لدى النازحين: الإقامة ليست سكنًا، واللجوء ليس استقرارًا.

في حالات أخرى، لجأت عائلات إلى استئجار شقق صغيرة بأسعار مرتفعة، غالبًا في مناطق بعيدة عن بيئتها الأصلية. هناك، لا يشعر الأبناء بالانتماء، ولا يجد الأهل القدرة على إعادة بناء روتينهم اليومي. البيت الجديد، مهما كان مريحًا، يبقى مؤقتًا، غريبًا، خاليًا من الروح.

الخيمة كمنزل: إعادة تعريف القسوة

في بعض المناطق، لم يجد النازحون سوى الخيام ملاذًا. قطعة قماش تفصلهم عن العراء، تصبح فجأة “بيتًا”. لكن داخل هذه الخيمة، تتبدّل كل معايير الحياة: لا خصوصية، لا أمان حقيقي، ولا قدرة على الحفاظ على نمط حياة طبيعي.

طفل في السابعة من عمره، يعيش مع عائلته في خيمة، يقول: “بيتنا كان فيه غرفة لي… هنا أنام مع الجميع”. هذا التحوّل القسري لا يغيّر فقط شكل الحياة، بل يؤثر في العلاقات داخل الأسرة نفسها، حيث تضيق المساحات، وتزداد التوترات.

تشتّت العائلة: حين يتفرّق السقف الواحد

من أكثر ما تضربه الحرب قسوة هو وحدة العائلة. في كثير من الحالات، لم تتمكن العائلات من النزوح معًا. بعض الآباء بقوا في القرى لحماية ما تبقّى، فيما انتقلت الأمهات والأطفال إلى مناطق أكثر أمانًا. في حالات أخرى، توزّع الإخوة بين بيوت أقارب، أو حتى بين دول مختلفة.هذا التشتّت لا يُقاس فقط بالمسافة، بل بالأثر النفسي العميق. تقول شابة نزحت إلى بيروت: “أول مرة في حياتي أنام بعيدًا عن أهلي… أشعر أنني فقدت شيئًا مني”. العائلة، التي كانت تجتمع حول مائدة واحدة، أصبحت موزّعة على خرائط مختلفة، يجمعها الهاتف فقط.

البيت كهوية: ما الذي يُفقد حين يُفقد؟

فقدان البيت لا يعني فقط خسارة مادية، بل ضياع جزء من الهوية. في المجتمعات المرتبطة بالأرض، كما في لبنان، يشكّل المنزل رمزًا للانتماء والاستمرارية. حين يُهدم أو يُترك، يشعر الفرد بأنه فقد جذوره.

الخبراء الاجتماعيون يشيرون إلى أن النزوح القسري يخلق حالة من “اللااستقرار الوجودي”، حيث يفقد الإنسان إحساسه بالمكان، وبالتالي إحساسه بالأمان. الأطفال، بشكل خاص، يتأثرون بشدة، إذ يفقدون البيئة التي تشكّل عالمهم الصغير.

محاولات التكيّف: إعادة بناء البيت في الغياب

رغم كل ذلك، تحاول العائلات اللبنانية إعادة خلق معنى “البيت” أينما وُجدت. في مراكز الإيواء، تُعلّق بعض الأمهات ستائر بسيطة لتقسيم المساحات، أو يضعن صورًا عائلية على الجدران المؤقتة. هذه التفاصيل الصغيرة ليست ترفًا، بل محاولة لاستعادة الإحساس بالحياة الطبيعية.

في إحدى الخيام، أصرّت أم على إعداد الطعام يوميًا كما كانت تفعل في منزلها. تقول: “أريد لأولادي أن يشعروا أننا ما زلنا عائلة… حتى لو تغيّر المكان”. هذا الإصرار يعكس قوة التماسك العائلي، رغم كل الظروف.

بين الذاكرة والواقع: أي مستقبل للبيت؟

مع استمرار الحرب، يبقى مصير آلاف المنازل مجهولًا، كما يبقى مصير العائلات معلّقًا. هل سيعودون؟ هل سيُعاد بناء ما تهدّم؟ أم أن “البيت” سيتحوّل إلى ذكرى فقط؟

في لبنان اليوم، لم يعد السؤال أين نسكن، بل ماذا يعني أن يكون لنا بيت. فحين تُنتزع الجدران، يبقى الإنسان يبحث عن سقف يحميه، وعن عائلة تجتمع تحته. وبين خيمة وشقة مستأجرة، وبين مدينة وأخرى، يستمر هذا البحث… عن بيت، وعن معنى.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn