داخل أزمة هارفارد: ثقافة الغياب وتضخم الدرجات تهدد أعرق جامعة في العالم

في تقرير موسّع نشرته صحيفة The New York Times، كشفت الصحافية أنيمونا هارتوكوليس عن أزمة ثقافية تربك جامعة هارفارد، المؤسسة الأكاديمية الأشهر عالميًا. فبرغم كونها من أكثر الجامعات انتقائية في العالم، حيث تُرفض 97% من طلبات الالتحاق، إلا أنّ طلابها بعد القبول يتساهلون في الحضور، ويتجاوزون القراءة المطلوبة، ويحصلون رغم ذلك على درجات مرتفعة، وهو ما وصفه الأساتذة بأنه ثقافة الغياب في جامعة هارفارد.

أعدّ التقرير لجنة من سبعة أعضاء في هيئة التدريس تُعرف باسم “لجنة الميثاق الاجتماعي في الصفوف”، درست ظاهرة تراجع المشاركة الصفّية وضعف النقاشات الفكرية. أظهرت نتائجها أن كثيراً من الطلاب يحضرون جسديًا لكنهم منشغلون بأجهزتهم، أو يتجنبون التحدث خوفًا من انتقاد آرائهم، أو لأنهم ببساطة لم يقرأوا ما يكفي من المادة المقرّرة. ومع تفشّي تضخم الدرجات، بات يمكن للطلاب التفوّق دون جهد حقيقي، ما أدى إلى تخرّج أجيال لم تختبر النقاش الحر ولا تنوّع الآراء.

أقرت اللجنة بأن الخوف من التعبير عن الرأي المخالف أصبح واسعاً في الحرم الجامعي، ما يضعف ثقافة الحوار ويعزز الانغلاق الأيديولوجي. وأشارت إلى أن غياب الطلاب عن المحاضرات يحرمهم من مواجهة أفكار مغايرة، ويعزز الانعزال داخل “فقاعات فكرية” ضيقة.

الطالبة أوموسيفي نورووا، التي تتابع دراستها في الطب، اعترفت بأن المحاضرات المسجّلة تجعل التخلف عن الحضور أسهل، مؤكدة أن النقاشات الحية كانت أكثر إلهامًا من التجربة الرقمية. وأضافت أن الجو السياسي في الجامعة ما زال يغلب عليه الطابع الليبرالي، مما يجعل من الصعب على أصحاب الآراء المتوازنة أو المحافظة التعبير بحرية، رغم أنّ المناخ هذا العام أصبح “أكثر هدوءًا”.

الأستاذ ديفيد لايبسون، رئيس لجنة التقرير وأستاذ الاقتصاد المعروف، أوضح أن هذه المشكلة ليست جديدة، بل تعود لعقود، لكنها تفاقمت بفعل التكنولوجيا ووتيرة الحياة الأكاديمية المزدحمة. في محاضرته الشهيرة بمساق “مبادئ الاقتصاد”، خصص مقاعد تحمل لافتة “منطقة خالية من الأجهزة” في محاولة لاستعادة التركيز المفقود داخل القاعات.

ردّ الجامعة جاء سريعًا. فالعميدة هوبي هوكسترا أعلنت خطة لتغيير ثقافة التعلّم في هارفارد بدءًا من خريف 2025. من أبرز الإجراءات: مراقبة الحضور، تشجيع الطلاب على تدوين الملاحظات يدويًا، وحظر مشاركة ما يُقال في الصفوف لحماية حرية التعبير. حتى طلبات الالتحاق بالجامعة أضيف إليها سؤال جديد: “احكِ عن موقف اختلفت فيه بشدة مع شخص آخر”، في إشارة إلى رغبة المؤسسة في اختبار مدى انفتاح المرشحين فكريًا قبل قبولهم.

كذلك أظهرت البيانات أن نسبة تقديرات الـ A ارتفعت من 40% عام 2015 إلى 60% اليوم، نصفها تقريباً خلال فترة التعليم عن بُعد أثناء الجائحة. العميدة أماندا كلايبوه اعتبرت أن الأساتذة خففوا صرامة التقييم بدافع التعاطف مع الطلاب وضغوطهم المستقبلية، وهو ما زاد من ظاهرة “الدرجات السهلة” ودفع الطلاب إلى التركيز أكثر على الأنشطة اللامنهجية والمناصب الطلابية لتحسين سيرهم الذاتية.

ولم تقتصر الظاهرة على هارفارد، بل تُعد انعكاسًا لمشكلة وطنية في التعليم الأميركي: تراجع الانضباط الأكاديمي، تشتّت الانتباه بفعل التكنولوجيا، وانخفاض الحافز الفكري بعد الجائحة. إلا أنّ ما يميز حالة هارفارد هو المفارقة بين شهرتها الأكاديمية وبين واقع طلابها الذين يكتفون بالحد الأدنى من الجهد.

في النهاية، يرى الأساتذة أنّ استعادة التوازن بين الأداء الأكاديمي والحياة الطلابية بات ضرورة ملحّة. فـ ثقافة الغياب في جامعة هارفارد ليست مجرد مشكلة حضور، بل أزمة قيم تعليمية تعكس تحوّلات عميقة في معنى التعلّم والتميّز في عصر الشاشة والدرجات المضمونة.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn