نُشر هذا المقال في صحيفة البيان ضمن قسم العلوم والتكنولوجيا، بقلم السيد محمود المتولي، ويتناول واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في النقاش العالمي حول الذكاء الاصطناعي، وهي حدود الإبداع الآلي مقارنة بالإبداع البشري في ضوء نتائج علمية حديثة.
يقدّم المقال عرضاً لنتائج دراسة أكاديمية واسعة النطاق قادها البروفيسور كريم جربي من جامعة مونتريال، بمشاركة الباحث المعروف يوشوا بنجيو، وتركّز على سؤال جوهري: هل تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدية، مثل ChatGPT، إنتاج أفكار إبداعية أصيلة تضاهي ما ينتجه الإنسان؟
أهمية هذه الدراسة لا تكمن فقط في موضوعها، بل في حجمها أيضاً، إذ تُعد أكبر مقارنة مباشرة حتى الآن بين الإبداع البشري وإبداع نماذج اللغة الضخمة، حيث شملت تحليلاً لأداء أكثر من مئة ألف مشارك بشري مقابل مجموعة من أبرز نماذج الذكاء الاصطناعي.تُظهر نتائج الدراسة تحولاً نوعياً في المشهد الإبداعي، إذ باتت بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على التفوق على الإنسان العادي في اختبارات محددة لقياس الإبداع اللغوي المتباين.
هذا الاستنتاج يضعف الفرضية التقليدية التي كانت ترى الإبداع بوصفه مجالاً حصرياً للبشر، لكنه في الوقت نفسه لا يمنح الذكاء الاصطناعي تفوقاً مطلقاً. فالدراسة تؤكد بوضوح أن تفوق البشر الإبداعي على الذكاء الاصطناعي لا يزال قائماً عندما نتحدث عن المستويات العليا من الإبداع، أي لدى الأفراد الأكثر موهبة وخبرة.
يتعمق المقال في شرح الفجوة بين المتوسط والقمّة، موضحاً أن الذكاء الاصطناعي قد يتجاوز أداء الإنسان العادي، لكنه يعجز عن مجاراة النصف الأكثر إبداعاً من البشر، فضلاً عن أفضل عشرة في المئة منهم، حيث تتسع الفروق بشكل ملحوظ. هذا يعني أن الذكاء الاصطناعي يبرع في إعادة تركيب الأنماط السائدة وإنتاج أفكار مقبولة إحصائياً، لكنه يفتقر إلى القفزات النوعية التي تميز الإبداع الإنساني الأصيل.
وعند الانتقال إلى مهام أكثر واقعية وتعقيداً، مثل كتابة الشعر أو القصص أو تلخيص الأفلام، تبرز الصورة بشكل أوضح. فقد تتفوق أنظمة الذكاء الاصطناعي أحياناً من حيث السرعة أو الصياغة السلسة مقارنة بالبشر العاديين، إلا أن أعمالها تبقى أقل عمقاً وأصالة عند مقارنتها بإنتاج المبدعين البشريين ذوي الخبرة.
كما يلفت المقال إلى نقطة تقنية دقيقة، وهي أن مستوى “إبداع” الذكاء الاصطناعي ليس ثابتاً، بل يتأثر بالإعدادات وطريقة صياغة التوجيهات، ما يعكس طبيعته كأداة تعتمد على المدخلات أكثر مما تمتلك دافعاً ذاتياً للإبداع.يخلص المقال إلى رؤية متوازنة لا تنحاز للتهويل ولا للتقليل من شأن الذكاء الاصطناعي.
فالنتائج لا تدعم فكرة استبدال المبدعين البشر، بل تؤكد أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة مساعدة توسّع آفاق الخيال البشري وتدعم عمليات التفكير والابتكار. وبهذا المعنى، يصبح تفوق البشر الإبداعي على الذكاء الاصطناعي ليس نقطة صراع صفري، بل أساساً لفهم جديد للإبداع بوصفه عملية تكاملية تجمع بين الحس الإنساني والقدرة الحسابية.



