دراسة ناسا: إبداع الأطفال يبلغ 98% مقابل 2% فقط لدى الكبار. لماذا؟

يولد الأطفال بقدرة فطرية على الخيال والإبداع، قدرة تجعل العالم أمامهم مساحة مفتوحة للتجربة والاكتشاف بلا قيود.

دراسة أجرتها وكالة ناسا بيّنت أن 98% من الأطفال في عمر ما قبل المدرسة يصنَّفون كمبدعين، لكن هذه النسبة تتراجع بسرعة مذهلة مع التقدم في العمر: 30% عند العاشرة، 12% عند المراهقة، لتصل إلى 2% فقط في سن الرشد.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا نفقد هذه الطاقة التي تميّز بداياتنا؟جزء كبير من الإجابة يكمن في المدرسة. النظام التعليمي التقليدي يضع الأطفال أمام مناهج صارمة تقيس نجاحهم بعدد الإجابات الصحيحة لا بعدد الأفكار الجديدة، وتشجع الحفظ أكثر مما تتيح مساحة للتجريب.

الفنون والأنشطة التي تثير الخيال تُهمّش لصالح المواد الأكاديمية، وكأن المطلوب من الطفل أن ينسجم في القالب نفسه بدل أن يبتكر قوالبه الخاصة. ومع الزمن، تتحول المدرسة إلى مصنع لإنتاج نتائج متشابهة، بدلاً من أن تكون مختبراً يغذي اختلاف العقول وتعدد الأفكار.لكن الأمر لا يتوقف عند التعليم وحده.

فالمجتمع بدوره يعيد تشكيل صورة النجاح، ليربطها بالامتثال للقواعد وتحقيق إنجازات ملموسة، أكثر من تشجيع المخاطرة أو فتح مسارات غير مألوفة.

يكبر الإنسان وهو يتعلم أن هناك طرقاً صحيحة جاهزة يجب أن يسلكها، وأن الخطأ عيب، وأن الخروج عن السرب مخاطرة لا تُغتفر. ومع هذا الخوف من الفشل، يتراجع الشغف بالتجريب، وهو أساس كل عملية إبداعية.

ثم تأتي مسؤوليات الحياة اليومية لتضيّق الخناق أكثر. العمل، الالتزامات المالية، العائلة، وضغوط البقاء تترك القليل من الوقت والطاقة لممارسة اللعب أو الاستكشاف.

حتى التكنولوجيا، التي يُفترض أن تفتح أمامنا أبواباً جديدة للتعبير، كثيراً ما تتحول إلى وسيلة استهلاك للمحتوى الجاهز، بدل أن تكون أداة لإنتاج أفكار أصيلة.

وحين ينغمس الكبار في الاستهلاك بدل الخلق، يبتعدون خطوة أخرى عن القدرة على الإبداع.إلى جانب العوامل الاجتماعية والتعليمية، هناك جانب بيولوجي لا يمكن إنكاره.

الدماغ في سنوات الطفولة يتميز بمرونة عالية تسمح له ببناء روابط عصبية جديدة بسهولة، وهي التي تدعم التفكير الحر والقدرة على ربط الأفكار بطرق غير تقليدية.

لكن مع التقدم في العمر، تتصلب هذه الشبكات العصبية وتترسخ أنماط التفكير، فيميل الإنسان إلى الحلول المجرّبة بدل البحث عن مسارات غير مألوفة. المخزون المعرفي الكبير يصبح نعمة في التحليل لكنه نقمة على الخيال.

ويضاف إلى كل ذلك غياب السياسات التعليمية والثقافية التي تضع الإبداع في موقع مركزي. الأنظمة الحالية نادراً ما تتيح للطلاب مساحات للبحث الذاتي أو المشاريع الحرة، أو تعطي الفنون والممارسات التعبيرية مكانة موازية للعلوم.

ومع ضعف الدعم المؤسسي، يخسر الفرد تدريجياً أدوات صقل خياله وإبقاء شرارة الإبداع مشتعلة.لهذا فإن تراجع الإبداع مع العمر ليس قدراً بيولوجياً محتوماً، بل نتيجة لتفاعل عوامل عديدة: المدرسة التي تفرض التماثل، المجتمع الذي يفضّل الامتثال، الضغوط التي تحاصر المخيلة، والدماغ الذي يصبح أقل مرونة حين لا يُمارس الإبداع باستمرار.

وإذا أردنا أن نعيد للبالغين القدرة التي يولدون بها، فعلينا أن نغيّر هذه المعادلة، أن نفتح مساحات للتجريب، ونحتفي بالمحاولة كما نحتفي بالنجاح، وأن نعيد تعريف الخطأ بوصفه خطوة في طريق الابتكار لا حاجزاً أمامه. عندها فقط يمكن أن يبقى الإبداع رفيقاً للإنسان في كل مراحل حياته، لا ذكرى بعيدة لطفولة مضت.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn