نُشر المقال في صحيفة The Fiji Times، وهو يسلّط الضوء على أزمة أكاديمية وأخلاقية تهزّ العالم، وتحديدًا في فيجي، حيث تتكشّف أبعاد تجارة عالمية لشهادات الدكتوراه المزوّرة. الكاتبان د. براشنيل غوندار ورافنيل ناريان يشرحان كيف تحوّل لقب “دكتور” من رمز للبحث والجهد إلى سلعة تباع عبر الإنترنت ضمن ما يسمّيانه “جيل المايكرووايف”، جيل يريد كل شيء بسرعة، حتى اللقب الأكاديمي الأعلى في العالم.يستهل المقال بالإشارة إلى أن هيئة التعليم العالي في فيجي فتحت تحقيقًا في سبع حالات تتعلق بشهادات دكتوراه مزيفة صادرة عن مؤسسات خارجية، تعود إلى عام 2008. لكن الظاهرة ليست محلية، بل عالمية؛ إذ تُقدّر التقارير أن أكثر من ٥٠ ألف شهادة دكتوراه مزوّرة تُباع سنويًا في الولايات المتحدة وحدها، إلى جانب آلاف الشهادات الأخرى في أوروبا وآسيا، ما يجعل عدد الشهادات المزيفة أكبر من عدد الشهادات الحقيقية التي تمنحها الجامعات المعترف بها.
تشرح المقالة بدقة الفرق بين الدكتوراه الحقيقية وتلك المزيّفة. فالحصول على درجة دكتوراه أصيلة يتطلّب سنوات من البحث والكتابة والتفكير النقدي، ومساهمة حقيقية في المعرفة الإنسانية من خلال أطروحة بحثية تتراوح بين خمسين ومئة ألف كلمة، تمرّ بمرحلة مراجعة أكاديمية صارمة من محكّمين مستقلين، وأحيانًا بدفاع علني أمام لجنة علمية (Viva Voce). بينما “الدكتوراه المزوّرة” تُمنح في أقل من سنة، بلا بحث حقيقي ولا إشراف علمي، مقابل المال فقط، من مؤسسات تُعرف باسم “مصانع الشهادات” أو Degree Mills.
يشير الكاتبان إلى أن بعض الأفراد يستسهلون هذه الطريق بدافع الطموح السريع أو الرغبة في الوجاهة الاجتماعية، فيلجأون إلى مؤسسات غير معترف بها تبيع الألقاب العلمية، حتى إنها تقدّم عروضًا مموّلة أو منحًا وهمية لتغليف الاحتيال بمظهر رسمي. ويصف المقال هذه الظاهرة بأنها نتيجة “جيل المايكرووايف” كما يسميه الأكاديمي الأسترالي فينكس ندلوفو، أي الجيل الذي يريد إنجاز كل شيء بسرعة وبأقل جهد ممكن.
ويكشف المقال أن شركات كبرى تدير شبكات ضخمة لبيع الشهادات المزيفة عبر الإنترنت، وتدرّ أرباحًا بمليارات الدولارات. وتشمل قائمة الزبائن مهنيين من قطاعات الطب والهندسة والتعليم، ما يجعل الخطر يتجاوز الجانب الأخلاقي إلى تهديد مباشر للأمان العام وجودة المهن.
يؤكد الكاتبان أن الدكتوراه ليست لقبًا فخريًا بل نتاج بحث أصيل يضيف معرفة جديدة للبشرية، وأن التهاون في التحقق من صدقية الشهادات يدمّر الثقة بالمؤسسات الأكاديمية. ويذكّران أيضًا بأن الدكتوراه الفخرية تختلف تمامًا عن الأكاديمية؛ الأولى تُمنح تكريمًا لإنجازات استثنائية في مجالات الفن أو العمل الإنساني، بينما الثانية تستحقها فقط عقول أمضت سنوات في التجريب والتحليل والاكتشاف.
في ختام المقال، يطرح الكاتبان تساؤلات مقلقة: ما الذي نعلّمه للأجيال حين نُسوّي بين الجهد الصادق والاحتيال؟ وكيف يمكن لنظام تعليمي أن يبقى محترمًا حين يدخل المزيفون صفوف الأكاديميا؟ ويخلصان إلى دعوة لإعادة الاعتبار إلى قدسية البحث العلمي والأمانة الأكاديمية، مؤكدين أن اللقب “دكتور” لا يجب أن يكون تذكرة اجتماعية أو مظهرًا فارغًا، بل رمزًا للمعرفة والمسؤولية الفكرية.
بهذا المعنى، لا يتناول المقال أزمة في فيجي وحدها، بل يعكس مرضًا عالميًا في زمن باتت فيه السرعة والسطحية تغلب على العمق، حتى في أقدس مجالات الفكر والبحث.



