رئيس الحكومة نواف سلام شدّد في الاجتماع الإداري الاستراتيجي للصندوق الائتماني للتربية والتعليم (TREF) على أن الدولة هي المسؤول الأول عن التعليم، وأن حكومته ملتزمة بحمايته، معتبرًا تعزيز وتمويل التعليم الرسمي من المدارس الابتدائية إلى الجامعة اللبنانية أولوية وطنية، مع الانطلاق من تعبئة الموارد المحلية وتنفيذ إصلاحات مؤسساتية شاملة لبناء وزارة تربية حديثة وشفافة تخدم جميع المناطق.
وأوضح أن الإصلاح يجب أن يتعدى الإدارة ليشمل المناهج وأساليب التعليم، مؤكدًا أن الشراكة مع المجتمع الدولي لدعم التعليم هي دعم للدولة لا بديلاً عنها، وأن حرمان أي طفل من حقه في التعلم غير مقبول مهما كانت ظروفه.
هذه التصريحات تتلاقى مع واقع مرير: القطاع التربوي يواجه انهيارًا تدريجيًا بفعل انهيار اقتصادي متواصل وتداعيات الأزمات الأمنية والسياسية. المدارس الرسمية تعاني من بنية تحتية متهالكة، والمعلمون يتقاضون رواتب متدنية، ما يدفع الكفاءات إلى الهجرة أو اللجوء إلى التعليم فوق النظام (shadow education) لتعويض الدخل، فيما تسهم التخصيصات المتزايدة في اتساع الفجوة بين التعليم الرسمي والخاص .
الحرب والأزمات الأمنية مثلت ضغطًا إضافيًا: أكثر من 600 مدرسة عامة تحولت إلى ملاجئ، ونحو 70٪ من مدارس الجنوب أُغلقت بالكامل، مما أوقف التعليم الحضوري وانعكس في تخلف تعليمي ونفسي لدى الأطفال .
حضور الأطفال في المدارس لا يزال منخفضًا، حيث يبلغ معدل الأطفال خارج التعليم أكثر من 25٪، بسبب الزيادات الكبيرة في تكاليف الرسوم والنقل واللوازم، وهي أرقام تضاعفت منذ عام 2023 .الخسائر التراكمية في أيام التدريس فادحة: في العقد الممتد من 2016 إلى 2025، خسر التعليم الرسمي حوالي 880 يومًا من أصل 1800 يوم دراسي متوقع، أي ما يقارب نصف الفترة التعليمية، مما أجبر على تعديل المناهج وتكثيفها لتتلاءم مع الواقع .
تتضاعف المشكلة بسبب تنامي أعداد اللاجئين السوريين، الذين يمثل بعضهم تحديًا إضافيًا: المدارس الرسمية غير قادرة على استيعابهم بسبب المناهج التي تُدرس بالفرنسية أو الإنجليزية، بينما اللاجئون يتلقون التعليم بالعربية، مما يزيد من خطر تسربهم من النظام التعليمي .
الأزمة التعليمية في لبنان ليست مجرد مشكلة تعليمية، بل أزمة تنموية وسياسية عميقة؛ فالهياكل المؤسساتية الهشة، الانقطاع المتكرر للدروس، النزوح، وغموض المناهج، كلها أدت إلى فجوة ضخمة في التعلم لدى أجيال كاملة، مع تداعيات على جودة التعليم وفرص العودة إلى المسار الطبيعي للحياة والعمل .
في هذا السياق، تأتي تصريحات رئيس الحكومة لتوّفر بارقة أمل: الالتزام الرسمي بحماية التعليم، الجهد نحو إصلاح البنية المؤسسية، والتأكيد على أن الدعم الدولي هو دعم وليس تعويضًا عن الدولة. لكن التنفيذ يظل العقبة الأكبر في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية والتدهور السياسي.
بدون عملية منظمة لجعل هذه الرؤية واقعًا ملموسًا على الأرض، سيبقى التعليم الرسمي مهددًا، وسيبقى ملايين الأطفال محرومين من حقهم الأساسي في التعلم، ما يهدد مستقبل المجتمع اللبناني بأسره.



