نُشر هذا المقال على موقع Psychology Today، حيث يتناول الكاتب يوسي أمرام، الحاصل على الدكتوراه في علم النفس، مفهوم الامتنان غير المشروط باعتباره أحد أكثر أشكال الرفاه النفسي عمقاً وراديكالية، مقارنة بأنماط الامتنان الشائعة التي ترتبط عادةً بالمكافآت أو الفوائد أو النتائج.
في بداية المقال، يلفت الكاتب النظر إلى أن أغلب عبارات الامتنان التي نرددها في حياتنا اليومية تأتي مقترنة بـ “لأنّ” فنقول إننا ممتنون للصحة لأنها تمنحنا القدرة على العمل، أو للأشخاص لأنهم يساعدوننا، أو للفرص لأنها تقودنا إلى مستقبل أفضل. يسمي الكاتب هذا النمط بـ الامتنان المشروط، ويراه ممارسة نافعة لكنها محدودة لأنها تربط شعورنا بالقيمة والمعنى بحدوث ما نريده أو ما نعتبره مفيداً.
في المقابل، يقدّم الكاتب مفهوم الامتنان غير المشروط، امتنانٌ لا يعتمد على سبب، ولا يُبنى على نتيجة، ولا يسعى إلى تبرير الوجود. إنه إحساس يتولد ببساطة من الاعتراف بكوننا موجودين، ومن التوقف لبرهة للتأمل في “معجزة الوجود” بحد ذاتها. يرى الكاتب أن هذا النوع من الامتنان يحرّر الإنسان من هزل التعلّق بالعوامل الخارجية، ويمنحه شعوراً ثابتاً بالسلام الداخلي حتى وسط الألم أو الفوضى أو عدم اليقين.
يستعرض المقال جانباً علمياً مهماً، حيث يشير إلى أن الامتنان، بجميع أشكاله، يؤثر مباشرة على الجهاز العصبي، ويضبط النشاط الوجداني في مناطق كاللوزة الدماغية والحُصين، كما ينشّط مسارات المكافأة ويزيد من مستويات الدوبامين والسيروتونين. وتُظهر الأبحاث أن ممارسة الامتنان بانتظام تُعيد تشكيل البنية العصبية، وتعزز المرونة النفسية والمناعة وتقلّل مستويات الكورتيزول وتدعم صحة القلب. كما أنّ ممارسة الامتنان تساعد في مواجهة انحياز السلبية، وهو الميل التطوري لرصد الأخطار أكثر من رصد الجمال أو الراحة، مما يجعل من الضروري تدريب العقل على التوقف لالتقاط اللحظات الإيجابية والاحتفاظ بها لبضع ثوانٍ على الأقل.
بعد توضيح الآليات البيولوجية، يذهب الكاتب إلى أن الامتنان غير المشروط يتجاوز كونَه أداة لتحسين المزاج؛ فهو تحول نفسي عميق يسمح لنا بضمّ الألم والصعوبات بدلاً من إنكارها، ويمنحنا القدرة على الشعور بالدعم الداخلي حتى عندما لا تسير الأمور كما نريد. فبينما يعتمد الامتنان المشروط على تحسّن الظروف، فإن الامتنان غير المشروط ينساب من حقيقة أنّ الوجود نفسه كافٍ.
وفي الجزء الأخير من المقال، يقترح الكاتب تمارين بسيطة: بدل تعداد الأشياء التي نشعر بالامتنان لها، يمكن تجربة عبارات لا تعتمد على “موضوع” مثل: “أنا ممتن لكوني هنا”، أو “أنا ممتن لنعمة الحياة”، أو “أنا ممتن لنعمة الوجود”. يرى الكاتب أن هذه العبارات تمنح مساحة اعتراف صافية بقيمة الحضور الإنساني، وبأننا مهمون لمجرد أننا موجودون—not for what we do, but for what we are.
إنه دعوة مفتوحة لخفض التشويش، والعودة إلى جذور الشعور بالامتلاء، والاحتفاء بالوجود ذاته. وهذا هو جوهر الامتنان غير المشروط.



