يقدّم مازن مجوز في هذا التقرير الميداني صورة واقعية عن لبنان الذي يعيد اكتشاف ذاته من خلال العودة إلى الحِرف والإنتاج المحلي، بعد أن أطاحت الأزمة الاقتصادية بالنظام الريعي وأعادت الاعتبار لقيمة العمل اليدوي. فبين مشهد «أم محمد» في بلدة الفاكهة، التي أعادت تشغيل نول والدتها لصناعة السجاد الفيكاني، و«أبو رامي» في زقاق البلاط الذي أعاد إحياء مهنة ترقيع الأحذية، تتجسّد إرادة اللبناني في تحويل الأزمة إلى فرصة، والإفلاس إلى ابتكار.
يشير الكاتب إلى أنّ الانهيار المالي منذ خريف 2019 لم يسقط فقط نموذجًا اقتصاديًا غير مستدام، بل دفع الناس إلى إعادة التفكير في معنى الإنتاج، حيث انتشرت ثقافة «ادعم المحلي» كموقف اقتصادي ووطني في آنٍ معًا. ومع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار، لم يعد بإمكان اللبنانيين الاعتماد على المنتجات المستوردة، فبرزت الصناعات الحرفية الصغيرة كبديل فعّال، قادرة على المنافسة والصمود.
في بلدة القصيبة مثلًا، تطوّرت معاصر دبس الخروب، ومنها معصرة عائلة نعيمة التي تعود إلى عام 1905. يقول ديمتري نعيمة إنّ الأزمة غيّرت وعي الناس ودَفعتهم نحو المنتجات الصحية والطبيعية، فارتفع الطلب على دبس الخروب وبودرة الخروب كبديل عن السكر، وبدأت المنتجات تُصدّر إلى الأسواق العربية والأوروبية بعد إخضاعها لمعايير الجودة. هذا التحوّل لم يكن اقتصاديًا فقط، بل ثقافيًا أيضًا، إذ أعاد اللبنانيون علاقتهم بالأرض والإنتاج الزراعي بعد أن كانت مهددة بالانقطاع.
من جهته، يوضح الدكتور علي كمون، رئيس المجلس المالي والاقتصادي للدراسات، أن الأزمة دفعت اللبنانيين إلى التخلّي عن الاقتصاد الريعي وإحياء التجارة الصغيرة والمشاريع الذاتية. فالرسوم الجمركية الجديدة واعتمادها على سعر 89 ألف ليرة شكّلت حافزًا لإعادة تشغيل المصانع المحلية للأحذية والملابس وغيرها من الصناعات. ويرى كمون أن القطاع الخاص لعب دورًا حاسمًا في إبقاء الدورة الاقتصادية حيّة، وأن الحاجة دفعت إلى ولادة خدمات جديدة مثل التوصيل والصيانة والطاقة البديلة والتعليم المنزلي والزراعة العضوية والتسويق الإلكتروني للمنتجات الحرفية.
ويصف الكاتب هذا التحوّل بأنه انعكاس لقدرة اللبناني على التكيّف، إذ استطاع تحويل الشلل الاقتصادي إلى طاقة إنتاجية جديدة قائمة على الإبداع الفردي وروح المبادرة. فاللبنانيون الذين فقدوا وظائفهم أو ودائعهم لم يستسلموا، بل أعادوا بناء اقتصاد مصغّر ينهض من تحت الركام، مستعينين بالإرادة والمهارة.
في الخلاصة، يعكس هذا المشهد وجهًا آخر للبنان: بلد لا يموت، بل يجدّد نفسه في كل أزمة. فعودة الحِرف والمنتجات المحلية ليست مجرد ظاهرة اقتصادية، بل فعل هوية ومقاومة، يثبت أنّ اللبناني لا ينتظر الحلول من الخارج، بل يخلقها بيديه، ليؤكد أن الإبداع والعمل هما أساس النهوض من جديد.



