ما هو التسرب التعليمي؟ أسبابه، آثاره قصيرة وبعيدة المدى، وسبل الحدّ منه في لبنان. د. ربيع بدواني مخلوف

تُعدّ من أخطر المشكلات التي تواجه المجتمعات هي ظاهرة “التسرب المدرسي”، إذ تعتبر هذه الظاهرة مؤشراً مهماً لمستوى تحضُّر المجتمعات، وارتفاعها يعكس بشكل واضح تخلّف المجتمعات والأوضاع المعيشية الصعبة.تشكل مشكلة التسرب التعليمي في لبنان ظاهرة متفاقمة، ونتيجة تعدد الأزمات الناتجة عن الحروب، والأزمات السياسية والاقتصادية المتعاقبة، وتعطّل عمل المؤسسات.

لسنين طويلة، برزت مشاكل عديدة من بينها التسرب المدرسي.تشير تقارير سابقة صادرة عن البنك الدولي ومنظمة اليونيسف (2024) إلى ارتفاع خطير في معدلات التسرب المدرسي نتيجة الأزمات الاقتصادية، حيث تُعد نسبة قرابة 52% من الأطفال في سن الدراسة رقماً واقعياً جداً في عام 2025.

وتعكس هذه النسبة أزمة اجتماعية وتربوية خطيرة، وتشير هذه التقارير إلى أن الوضع التعليمي يزداد هشاشة عاماً بعد عام. وفي السياق نفسه، ووفقاً لصحيفتي “الأنباء” و”الديار”، تخطّى معدل الأمية في لبنان حوالي 7% من إجمالي السكان عام 2025، ما يثير مخاوف جدّية من تدهور مستوى رأس المال البشري وتفاقم التداعيات الاجتماعية والاقتصادية مستقبلاً.

تعرف منظمة اليونيسف التسرب المدرسي على أنه انقطاع الطالب عن متابعة تعليمه قبل الحصول على الشهادة المقررة أو إتمام المرحلة الدراسية المطلوبة، سواء حصل هذا الانقطاع بشكل اختياري أو نتيجة عوامل نفسية أو تربوية أو اجتماعية أو اقتصادية، مما يؤدي إلى خروج الطالب من النظام التعليمي بصورة دائمة أو طويلة الأمد.

وتترك هذه الظاهرة تداعيات سلبية هائلة على المجتمع ومستقبل الأولاد، إذ تؤدي بشكل مباشر إلى ارتفاع نسبة الأمية والجهل، وتعيق نمو المجتمع وتطوّره في جميع المجالات، وتسهم في ارتفاع معدلات الجريمة وتراجع مناعة المجتمع، وتُثبت الممارسات الاجتماعية الخاطئة، وتُهدر طاقات المجتمع المستقبلية، إضافة إلى خسارة أي عائد متوقع من مشاريع التنمية المستدامة.

فعوضاً عن أن يُوضع الأطفال على السكة الصحيحة لمستقبل أفضل يكونون فيه عناصر فاعلين في المجتمع، فإن التسرب التعليمي يضعهم على طريق غير آمن حيث تزيد احتمالية الشذوذ عن الطريق السليم، ويقعون عرضة للآفات ولمستقبل مبهم قد ينتهي بهم إلى ارتكاب الجنايات والجرائم، ليصبحوا عبئاً على المجتمع عوضاً عن أن يكونوا أفراداً منتجين.

أسباب التسرب المدرسيتتعدد وتتشابك الأسباب التي تؤدي إلى التسرب المدرسي، إلا أنه يمكن جمعها في النقاط الآتية:

1. العوامل الاقتصادية، خصوصاً في المجتمعات النامية، تُعتبر العامل الاقتصادي السبب الأول لزيادة أعداد المتسربين من الدراسة، فضعف الإمكانيات الاقتصادية يجبر أولياء الأمور على وقف المسار التعليمي لأولادهم والاستفادة منهم اقتصادياً عن طريق تشغيلهم لتأمين مصدر دخل.أما بالنسبة للفتيات، فقد تلجأ بعض الأسر إلى تزويجهن باكراً لتخفيف الأعباء الاقتصادية عن العائلة، بالإضافة إلى الاستفادة المباشرة أو غير المباشرة من هذا الزواج. وفي جميع الأحوال، كلما ارتفعت معدلات الفقر ارتفعت معها نسبة تسرب الأولاد من التعليم.

2. الأسباب الاجتماعية، يقصد بها العوامل المرتبطة بعائلة التلميذ ومحيطه الاجتماعي، بالإضافة إلى ثقافة وقيم المجتمع. ومن أهمها:انفصال الوالدين والتفكك العائلي الذي يساهم في كثير من الأحيان في تسرب الأبناء من الدراسة نتيجة مواجهتهم لظروف اجتماعية ونفسية صعبة.العادات والتقاليد القديمة التي قد تساهم في زيادة نسب التسرب المدرسي مثل إعطاء أولوية التعليم للذكور وزواج الإناث مبكراً.مهنة الوالدين ومستوى تعليمهما: فوعي الوالدين لقيمة التعليم يعتمد على مستواهما الثقافي. وتشير الدراسات إلى أن أبناء العاملين في المهن والوظائف العليا هم أكثر ترجيحاً لمتابعة الدراسة من أبناء العاملين بالحرف والزراعة الذين لا يعطون أهمية مماثلة للتعليم.

3. النظام التعليمي، قلّة الموارد المادية والكفاءات البشرية تضعف قدرة النظام التعليمي على تحقيق أهدافه، مما يؤدي إلى ارتفاع نسبة التسرب.

أوجه الخلل:

عدم توفر مدارس في مختلف المناطق

الأساليب التقليدية المملة في التدريس

ضعف تحديث المناهج بما يتوافق مع متطلبات العصرعدم مراعاة الطلاب ذوي القدرات الخاصة

التعرض للعقاب المعنوي أو البدني

نفور الطالب من المدرسة وعدم الشعور بالانتماء

إهمال المؤسسات التربوية لمتابعة حالات التسرب ومعالجتها

كيفية الحد من التسرب المدرسي

نظراً لخطورة التسرب المدرسي وتداعياته السلبية على المجتمع، يجب أن تشمل الإجراءات العلاجية:

سن قوانين واضحة وعقوبات شديدة لمنع عمالة الأطفال

تحسين الوضع الاقتصادي العام وتوفير الدعم للأسر الفقيرة

توفير بيئة تعليمية صحية وجاذبة

تطوير المناهج ورفع كفاءة المعلمين

توفير الأدوات الضرورية للتعليم المجاني

توفير رواتب مناسبة للمدرسينتأمين فرص عمل للخريجين الجدد

نشر مراكز لمحو الأمية وتقديم التعليم المهني للمتسربين

تنظيم حملات توعية بأهمية التعليم ومخاطر التسرب وزواج القاصرات

إن مشكلة التسرب المدرسي هي مشكلة وطنية تطال المجتمع بأكمله، ولذلك فإن مسؤولية معالجتها لا تقع على عاتق المؤسسات التربوية وحدها التي هي أصلاً تكافح للبقاء في ظل الظروف الصعبة، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تضافر جهود الفاعليات السياسية والتربوية والاقتصادية والاجتماعية.

التعليم يشكّل ركن الأساس لبناء مجتمع قادر على مواجهة تحديات المستقبل. ومن دون معالجة هذه المشكلة بجدية، سيدفع المجتمع أثماناً باهظة نتيجة انتشار الأمية والجهل وارتفاع معدلات الجريمة وتأخر نمو المجتمع وتطوره على مستوى التنمية والاستقرار الاجتماعي.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn