من أزمة 2008 إلى Rethinking Economics: مسار تغيير المناهج الاقتصادية

نُشر هذا المقال في صحيفة The Guardian البريطانية، ضمن تغطيتها لقسم البيئة وسلسلة “Beyond Growth”، ويتناول نشأة وتطوّر حركة Rethinking Economics بوصفها واحدة من أبرز المبادرات الطلابية والأكاديمية التي تسعى إلى إعادة النظر في كيفية تدريس علم الاقتصاد في الجامعات حول العالم.

ينطلق المقال من اللحظة المفصلية للأزمة المالية العالمية عام 2008، حين بدأت حالة من التململ العميق بين طلاب الاقتصاد، لا بسبب صعوبة المادة أو تعقيدها الرياضي فحسب، بل لأن ما يُدرَّس في القاعات الجامعية بدا منفصلًا بشكل صارخ عن الواقع الاقتصادي المتفجر خارجها. يروي الكاتب كيف عبّر طلاب في جامعة هارفرد عن رفضهم لمنهج يقدّم رؤية واحدة ضيقة للاقتصاد، معتبرين أنه يكرّس نظامًا غير عادل من اللامساواة، فيما شهدت جامعة مانشستر في بريطانيا حراكًا مشابهًا تمثّل في تأسيس “جمعية اقتصاد ما بعد الأزمة”، كردّ مباشر على هيمنة النماذج الرياضية المجردة التي عجزت عن تفسير ما كان يحدث فعليًا في الاقتصاد العالمي.

هذه الاحتجاجات المتفرقة تلاقت لاحقًا في لندن عام 2013 مع تأسيس Rethinking Economics في كلية لندن للاقتصاد، كمبادرة طلابية تطوّرت سريعًا إلى حركة دولية. يستعرض المقال شهادة Yuan Yang، إحدى المؤسِّسات، التي تصف البدايات المتواضعة والتنظيم التطوعي للحركة، والدعم المعنوي الذي تلقته من أكاديميين بارزين مثل Ha-Joon Chang، الذي يرى أن هيمنة المدرسة النيوكلاسيكية على تدريس الاقتصاد تشبه، في صلابتها العقائدية، هيمنة اللاهوت الكاثوليكي في أوروبا القرون الوسطى.

يوضح المقال أن جوهر Rethinking Economics لا يكمن في رفض الاقتصاد السائد بالكامل، بل في المطالبة بتعليم أكثر تعددية وانفتاحًا، يأخذ في الاعتبار التاريخ، والأخلاق، والسياسة، والبيئة، وعلاقات القوة، بدل تقديم الاقتصاد كعلم “محايد” قائم فقط على معادلات رياضية. وتنقل Sara Mahdi، المسؤولة الإعلامية في الحركة، رؤية واضحة تقوم على جعل الاقتصاد علمًا مرتبطًا بالعالم الحقيقي، حيث تُعامل النظريات المختلفة كمدارس فكرية متنافسة لا كحقيقة واحدة نهائية.

ويُبرز المقال الأثر العملي للحركة، بالأرقام والأمثلة، مشيرًا إلى عشرات الانتصارات الأكاديمية منذ عام 2019، شملت إعادة تصميم برامج كاملة وإدخال مقررات أساسية جديدة في جامعات عبر أكثر من 35 دولة. من بين هذه الأمثلة إطلاق برامج متعددة التخصصات في بريطانيا وفرنسا وهولندا، تُعيد ربط الاقتصاد بالفلسفة والمجتمع والسياسات العامة.

كما يتوقف المقال عند تجربة Rethinking Economics في أفريقيا، ولا سيما في جنوب أفريقيا، حيث تداخلت الحركة مع نضالات أوسع ضد إرث التعليم الاستعماري وعدم تكافؤ الفرص. هنا، لم يكن الهدف مجرد تعديل المناهج، بل خلق مساحات تعليمية بديلة تتيح للطلاب مقاربات نقدية للاقتصاد السائد، في ظل مقاومة مؤسساتية للتغيير.

في القسم الأخير، يعرض المقال مواقف أكاديميين بارزين مثل Clara Mattei وJayati Ghosh، الذين يرون في الحركة فرصة لإعادة توجيه علم الاقتصاد نحو خدمة المجتمع بدل تبرير اختلالاته. وتؤكد هذه الشهادات أن Rethinking Economics لا تمثل مجرد احتجاج طلابي عابر، بل تحديًا بنيويًا لطريقة إنتاج المعرفة الاقتصادية، ومحاولة جادّة لإعادة تعريف دور الاقتصاد في زمن الأزمات المتعددة، من اللامساواة إلى التغير المناخي.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn