منح شهادة جامعية للمنسحبين من الدراسة في أستراليا: اعتراف بالتعلم أم تطبيع للفشل؟

في هذا الاستعراض، نتناول خبرًا نُشر ضمن إعلان رسمي صادر عن جامعة سوينبرن الأسترالية (Swinburne University)، وتداوله لاحقًا أكاديميون وخبراء تعليم عالٍ عبر منصات مهنية مثل LinkedIn، في سياق نقاش أوسع حول ظاهرة التسرب الجامعي ومستقبل الشهادات الأكاديمية.

يطرح المقال مبادرة غير مسبوقة في النظام الجامعي الأسترالي، تقوم على منح شهادة أكاديمية رسمية للطلاب الذين لم يُكملوا دراستهم الجامعية، شرط أن يكونوا قد اجتازوا ما لا يقل عن ستة أشهر من الدراسة.

وتأتي هذه الخطوة في ظل أرقام مقلقة تشير إلى أن نحو ربع الطلاب الجامعيين في أستراليا لا ينهون برامجهم الدراسية، ما يتركهم غالبًا مثقلين بالديون ومن دون أي مؤهل رسمي يُثبت ما أنجزوه فعليًا.

من حيث المبدأ، تنطلق المبادرة من منطق إنصافي: الطالب الذي استثمر وقتًا وجهدًا ومالًا، واكتسب معرفة ومهارات جزئية، لا ينبغي أن يُعامل كما لو أن تجربته التعليمية لم تكن موجودة. فالشهادة الجزئية، بحسب مطلقي المبادرة، تشكّل اعترافًا مؤسسيًا بأن تعلّمًا حقيقيًا قد حصل، وتمنح الطالب وثيقة يمكن تقديمها لأرباب العمل، أو البناء عليها لاحقًا في مسار أكاديمي آخر.

غير أن هذا التوجه لا يمرّ من دون اعتراضات جوهرية. فعدد من القيادات الأكاديمية، ومنهم من علّق على المبادرة في منصات مهنية، يحذّرون من خطر تطبيع الانسحاب من الجامعة. إذ يرون أن تحويل “عدم الإكمال” إلى مسار معترف به قد يؤدي، من حيث لا يُقصد، إلى تخفيف الضغط عن الجامعات لمعالجة الأسباب الحقيقية للتسرب، مثل الضغوط المالية، ضعف الدعم الأكاديمي، أو سوء تصميم البرامج التعليمية.

النقد الأساسي هنا لا يستهدف فكرة الاعتراف بالتعلم الجزئي بحد ذاتها، بل يخشى من أن تتحول الشهادة الجديدة إلى علاج للأعراض بدل معالجة الجذور. فإذا كانت نسبة الانسحاب تقارب 20 إلى 25 في المئة، فإن السؤال البنيوي يصبح: هل الخلل في الطلاب أم في نموذج التعليم الجامعي نفسه؟ وهل من المقبول أن تتكيف الجامعات مع الفشل الجماعي بدل أن تعيد النظر في سياساتها التعليمية، وأنظمة الدعم، ومرونة المسارات الدراسية؟

في هذا السياق، يُفهم طرح شهادة للمنسحبين كجزء من نقاش أوسع حول إعادة تعريف النجاح الأكاديمي في القرن الحادي والعشرين. فأسواق العمل باتت أكثر اهتمامًا بالمهارات القابلة للتطبيق من المسارات الخطية التقليدية، والطلاب أنفسهم يواجهون ضغوطًا اقتصادية ونفسية غير مسبوقة.

ومع ذلك، يشدد منتقدو المبادرة على أن الابتكار الحقيقي لا يكمن فقط في ابتكار شهادات جديدة، بل في خلق بيئات تعليمية تقلل أصلًا من احتمالات الانسحاب.وعليه، يخلص المقال إلى موقف وسطي: الاعتراف بالدراسة الجزئية قد يكون خطوة إيجابية ومنصفة، شرط ألا يتحول إلى قبول ضمني بأن عدم إكمال الدراسة الجامعية هو “الوضع الطبيعي الجديد”. فالشهادة الجزئية ينبغي أن تكون أداة إنقاذ فردية، لا غطاءً مؤسسيًا لعجز الجامعات عن إيصال طلابها إلى خط النهاية.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn