نيويورك تايمز: أزمة الإيمان بالتعليم العالي تهزّ الولايات المتحدة

المقال نُشر في صحيفة نيويورك تايمز (The New York Times) بتاريخ 22 تشرين الأول/أكتوبر 2025، بقلم الصحافي آلان بليندر، ويتناول التحوّل العميق الذي يشهده التعليم العالي الأميركي، من خلال دراسة حالة ولاية وايومنغ التي تواجه سؤالاً وجوديًا: هل لا يزال الحصول على شهادة جامعية ضروريًا فعلًا؟

يرسم المقال لوحة دقيقة لتقاطع الاقتصاد والتعليم في الولايات المتحدة. فبينما ترفع الإعلانات على أطراف العاصمة شايان شعارات متناقضة، أحدها يحث الشباب على متابعة الدراسة الجامعية، والآخر من “وولمارت” يعرض وظائف بأجر يتجاوز 30 دولارًا في الساعة ، تتجلى معضلة الجيل الجديد: العمل الفوري أم الاستثمار الطويل في التعليم؟

يشير الكاتب إلى أنّ وايومنغ، مثل معظم الولايات الأميركية، كانت جزءًا من حملة وطنية كبرى خلال العقد الماضي لتعزيز نسب الحاصلين على شهادات ما بعد الثانوية. أطلقت الولاية هدفًا طموحًا برفع هذه النسبة إلى 67% بحلول عام 2025، متجاوزة المتوسط الوطني المدعوم بمبادرات “مؤسسة لومينا” التي رفعت شعار “60% من الأميركيين بشهادة بعد الثانوية”. لكن الواقع جاء مختلفًا: فبعد سبع سنوات من الجهود، لم تتجاوز النسبة 53%.

يستعرض المقال الخلفية الاقتصادية والاجتماعية لهذه التحولات. فاقتصاد وايومنغ، القائم تاريخيًا على قطاع الطاقة المتقلّب، لم يعد قادرًا على استيعاب الشباب الطامحين إلى الاستقرار أو النمو المهني. لذلك، حاولت الدولة إقناع العمال بالعودة إلى مقاعد الدراسة عبر برامج مرنة ومنح مالية جديدة. لكن الإقبال بقي محدودًا، إذ بدأ التشكيك في جدوى التعليم الجامعي يتغلغل بين الناس مع تضخم ديون الطلاب وتراجع معدلات التخرّج. فقد أظهرت استطلاعات “غالوب” أنّ نسبة الأميركيين الذين يعتبرون الكلية “غير مهمة كثيرًا” ارتفعت إلى 24% عام 2025، بعدما كانت 4% فقط عام 2010.

يقدّم الكاتب شهادات مؤثرة من داخل الميدان. فالدكتور جو شافِر، رئيس كلية لارامي كاونتي المجتمعية، يتساءل بصدق: “كيف نجعل التعليم أكثر ارتباطًا بحياة الطالب؟”. ويعرض المقال قصص طلاب مثل داريل وودي، الجندي السابق الذي اختار دراسة الأمن السيبراني بدلًا من العمل في صيانة المرافق، وأماندا سوريل، الأم العزباء التي تتابع دراستها في المحاسبة بفضل منحة حكومية. كلاهما يعكسان جوهر المشكلة: التوازن بين الحاجة الاقتصادية الفورية وحلم التعليم.

أما حاكم الولاية مارك غوردون، فيعبّر عن إيمانه بقيمة التعليم، لكنه يدعو إلى إصلاح جذري في بنيته لجعله أكثر مرونة وأقل كلفة، محذرًا من “الجمود المؤسسي” الذي يعيق تطوره. في المقابل، يتبنى إد سيدِل، رئيس جامعة وايومنغ، موقفًا نقديًا حادًا تجاه الجامعات نفسها، مؤكدًا أن المشكلة ليست في “سوء التسويق” بل في طبيعة ما تقدمه الجامعات، داعيًا إلى “إعادة التفكير في القصة نفسها، لا في طريقة روايتها”.

ويختتم المقال بنبرة تعكس المزاج الأميركي العام في “عصر ترامب الثاني”، حيث باتت وزارة التعليم بقيادة ليندا ماكماهون تشكّك علنًا في جدوى التعليم الجامعي، وتصفه بأنه “عبء باهظ وقديم”. في المقابل، يرى شافر أن الحل لا يكمن في هدم فكرة التعليم العالي، بل في إعادة تصميمها: تعليم أقل عدداً وأكثر تركيزًا وارتباطًا بسوق العمل. “لا توجد رصاصة فضية واحدة”، يقول، “لكن علينا أن نستمر في النحت شيئًا فشيئًا”.

هكذا يُظهر المقال أن “الدرجة الجامعية” لم تعد رمزًا ثابتًا للنجاح الأميركي، بل صارت موضع مساءلة، في بلد يعيد تعريف العلاقة بين الشهادة، المهارة، والفرصة.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn