نشرت صحيفة The Chronicle of Higher Education مقالة تناولت فيها كتاب Major Trade-Offs: The Surprising Truths About College Majors and Entry-Level Jobs للأستاذ المساعد في علم الاجتماع بجامعة ولاية فلوريدا كوري موس-بيتش. يقدّم الكتاب رؤية نقدية جديدة حول العلاقة بين الاختصاص الجامعي وفرص العمل بعد التخرج، بعيداً عن المقاربة السائدة التي تحصر قيمة التعليم الجامعي في معيار العائد على الاستثمار (ROI).يروي الكاتب أنه منذ عام 2015، تابع موس-بيتش مسارات 91 طالباً في جامعة عامة كبرى، من سنوات الدراسة إلى التدريب العملي، ثم إلى الوظائف الأولى.
النتائج أظهرت أن التخصصات العملية كالهندسة وإدارة الأعمال تمنح خريجيها رواتب أولية أعلى، لكنها غالباً ما تقود إلى أعمال مكتبية روتينية لا تستفيد فعلياً من المهارات الأكاديمية التي اكتسبها الطلاب. في المقابل، وجد أن خريجي الآداب والاتصال، رغم تدني رواتبهم في البداية، ينخرطون في وظائف ذات مهام جوهرية تتطلب منهم توظيف معارفهم الجامعية بشكل مباشر.
أحد أبرز محاور الكتاب هو تحليل نوعية التدريب العملي. فطلاب الكليات العملية غالباً ما يستفيدون من ما سماه الباحث “سير ناقل وظيفي”، حيث تتحول التدريبات المدفوعة في الصيف إلى عقود عمل مباشرة مع الشركات.
أما طلاب الآداب والاتصال فيواجهون تدريبات غير مرتبطة بفرص عمل دائمة، ما جعل مساراتهم المهنية أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً. ومع ذلك، لاحظ موس-بيتش أن التدريبات التي يقوم بها هؤلاء قد تكون أكثر ثراءً معرفياً من الوظائف المكتبية التي يشغلها نظراؤهم في التخصصات العملية.
المقابلة التي استعرضت مضمون الكتاب أظهرت كذلك أن الكثير من الطلاب في التخصصات العملية اكتشفوا بعد التخرج أن ما تعلموه في الجامعة لم يجد طريقه إلى الممارسة الفعلية، حيث اقتصر عملهم على مهام بسيطة مثل إدخال البيانات. بعضهم أبدى ندمه على اختياره للتخصص، متسائلاً عمّا إذا كان يمكنهم دراسة مجال مختلف دون أن يؤثر ذلك على واقعهم الوظيفي.
في المقابل، رأى خريجو الآداب أن دراستهم زوّدتهم بقدرات تحليلية وتفكير نقدي ومهارات تواصل، وهي مؤهلات عامة لكنها ضرورية للنجاح في سوق العمل.
المقال يخلص إلى أن قيمة التعليم الجامعي لا تُختصر بالرواتب ولا بتطابق التخصص مع الوظيفة، بل بما يقدمه من تكوين شامل يتيح للطلاب التكيف مع سوق عمل متقلب وغير خطي. ويذكّرنا هذا بأن الرهان على شهادات تبدو عملية في لحظة معينة قد لا يكون ضمانة مستقبلية، بينما التعليم المتنوع والقائم على توسيع المدارك يظل رصيداً طويل الأمد في مواجهة التحولات الاقتصادية.



