نشرت صحيفة «الشرق الأوسط» مقالاً بعنوان «ما أفضل طريقة للتعبير عن حبك لأطفالك؟»، تناول الجدل الذي أثاره نجم كرة القدم الإنجليزي السابق مايكل أوين، بعد قوله إنه لا يخبر أبناءه الأربعة بأنه يحبهم، لأنه يرى أن أفعاله كفيلة بإيصال هذا الشعور إليهم.
وفتح تصريح أوين نقاشاً أوسع حول أفضل طريقة للتعبير عن حب الأطفال، وما إذا كانت الكلمات كافية، أم أن الأفعال اليومية هي التعبير الأكثر صدقاً عن المودة.
يستعرض المقال رأي خبراء في علم النفس والتربية، ويشير إلى أن شعور الطفل بأنه محبوب لا يتوقف على سماع عبارة «أنا أحبك»، بل يرتبط بصورة أوسع بإحساسه بالأمان والتقدير والاستقرار والانتماء.
فالكلمات قد تكون مهمة، لكنها تفقد جزءاً كبيراً من معناها إذا لم تسندها الممارسات اليومية. الطفل الذي يسمع باستمرار أنه محبوب، لكنه لا يجد والديه إلى جانبه في اللحظات التي تهمه، قد يواجه تناقضاً بين ما يسمعه وما يختبره فعلياً.
لذلك، فإن أفضل طريقة للتعبير عن حبك لأطفالك لا تقوم على الاختيار بين الكلمات والأفعال، بل على الجمع بينهما.
وتوضح المتخصصة في علم النفس التربوي الدكتورة باتريشيا بريتو أن التعبير عن المودة يجب أن يكون مستمراً ومتسقاً، بحيث يلمس الطفل الحب في سلوك والديه كما يسمعه في كلامهما. فالحضور في مباراة، أو المشاركة في عرض مدرسي، أو الاهتمام بما يفعله الطفل، أو الإصغاء إليه، قد تكون جميعها رسائل حب بالغة القوة، حتى عندما لا تُقال كلمة «أحبك».
وفي المقابل، فإن تكرار عبارات الحب من دون ترجمتها إلى اهتمام ورعاية وحضور قد يجعل الكلمات تبدو جوفاء.
ويعزز الأب ومؤلف كتب التربية آرون ديل الفكرة نفسها، معتبراً أن الكلمات والأفعال لا ينبغي أن تكونا طرفين متنافسين. الكلمات توصل الرسالة، بينما تقدم الأفعال الدليل عليها. ويستشهد بتجربته الشخصية مع والده، الذي كان يقول له «أنا أحبك» بعد أن يخذله، الأمر الذي جعل العبارة تفقد جزءاً من قيمتها.
وهنا تظهر نقطة أساسية في أفضل طريقة للتعبير عن حبك لأطفالك: ليست المسألة في عدد مرات ترديد العبارة، وإنما في مدى اتساقها مع التجربة التي يعيشها الطفل داخل الأسرة.
في المقابل، يرفض بعض الآباء التقليل من أهمية التعبير اللفظي عن الحب، ويرون أن الطفل يحتاج إلى سماع مشاعر والديه بوضوح، بغض النظر عن سلوكه أو أدائه. ويذهب بعضهم إلى ضرورة إخبار الأبناء بالحب يومياً، سواء كانوا قد أحسنوا التصرف أم أخطأوا، لأن الرسالة التي يحتاج الطفل إلى تلقيها هي أن قيمته ومكانته داخل الأسرة لا تتوقفان على نجاحه أو رضاه عن والديه.
وهذا الجانب مهم بصورة خاصة، لأن الحب غير المشروط يختلف عن المكافأة على السلوك الجيد.ويمنح المقال تصريحات أوين بعداً إضافياً عندما يستعيد حديثه عن فقدان ابنه جيمس بصره عام 2024، وقوله إنه لو كان يستطيع منحه عينيه لفعل ذلك. تكشف هذه العبارة عن وجود مشاعر عميقة جداً لدى الأب، حتى لو كان يجد صعوبة في تحويلها إلى كلمات مباشرة.
ويعترف أوين بأنه أصبح أكثر «ليناً» في التعبير عن مشاعره، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة يستطيع فيها بسهولة قول عبارة «أنا أحبك».
وهنا ينتقل النقاش من تجربة أب واحد إلى سؤال أوسع يتعلق بالطريقة التي يتعلم بها الرجال تحديداً التعبير عن عواطفهم.
ويربط الخبراء هذه الصعوبة بعوامل ثقافية واجتماعية وجيلية، إذ تربى كثير من الآباء على تصور يعتبر التعبير العاطفي نوعاً من الضعف أو «اللين»، فيما يُختزل دور الأب أحياناً في توفير المال والحماية والاحتياجات المادية.
لكن التربية الحديثة تنظر إلى الأبوة بصورة أوسع، بحيث تشمل الحضور العاطفي، والاستماع، والاحتضان، والتشجيع، والتعبير الصريح عن المشاعر. ومن هنا، فإن أفضل طريقة للتعبير عن حبك لأطفالك قد تكون في بناء بيئة يشعر فيها الطفل باستمرار بأنه مرغوب فيه، ومهم، وذو قيمة، وليس مجرد سماعه كلمات الحب من حين إلى آخر.
وفي النهاية، لا يقدم المقال وصفة واحدة تصلح لكل الأسر، لكنه يصل إلى فكرة واضحة: الطفل لا يحتاج إلى الاختيار بين «أنا أحبك» وبين الأفعال التي تثبت هذه العبارة. يحتاج إلى الاثنين معاً.
الكلمات تمنح المشاعر اسماً واضحاً، والأفعال تمنحها مصداقية، والاستمرارية تمنح الطفل الإحساس بالأمان. لذلك فإن أفضل طريقة للتعبير عن حبك لأطفالك هي أن تقول لهم إنك تحبهم، وأن تجعل سلوكك اليومي دليلاً مستمراً على ذلك الحب.



