يمرّ لبنان حاليًا بواحدة من أصعب الأزمات التي عرفها العالم في التاريخ الحديث، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا. هذا النوع من الأزمات يُعرَّف في الأدبيات العالمية بمفهوم “البوليكريزيس” (Polycrisis)، أي الأزمة متعددة الأوجه والأبعاد. فهي ليست مجرد سلسلة من الأحداث المنعزلة، بل شبكة مترابطة من الازمات والإخفاقات والحروب، حيث تُضخِّم كل صدمة أثر سابقتها وتُسرّع في تعميق تداعياتها.
لقد دمّرت هذه البوليكريزيس بشكل ممنهج البنى التحتية للبلاد، وغيّرت بصورة جذرية مختلف جوانب حياة المواطنين. ومع انهيار العملة الوطنية وتراجع قيمة الدخل، انهارت خدمات أساسية كالكهرباء، والطبابة، وحتى إدارة النفايات والصرف الصحي. ولم يكن قطاع التعليم بمنأى عن هذا الانهيار، بل وصلته تداعيات الأزمة بشكل مباشر ومنهجي.فالقطاع الذي شكّل تاريخيًا أحد أهم أدوات الارتقاء الاجتماعي والحراك الطبقي، بات اليوم مرآةً تعكس أزمات الدولة بأكملها، إذ يعاني من نقص حاد في التمويل، وغياب شبه تام للدعم الحكومي، وانكشاف كامل أمام الأزمات الاقتصادية والأمنية.
وفي هذا الوقت من السنة بشكل خاص، تتفاقم التحديات مع قدوم الطقس البارد، ما يعرّض جيلًا كاملًا لخطر خسارة حقه الأساسي في التعليم. ووفقًا لإحصاءات البنك الدولي، يعيش ما بين 70% و80% من سكان لبنان تحت خط الفقر، الأمر الذي جعل التعليم الخاص — الذي يعاني بدوره من أزمات وجودية — بعيدًا عن متناول غالبية الأسر، ولم يبقَ أمامها سوى التعليم الرسمي كخيار وحيد.إلا أن خيار التعليم الرسمي يواجه بدوره مجموعة من التحديات البنيوية الخطيرة، أبرزها:
• تخفيض عدد أيام الدراسة: نتيجة انقطاع التيار الكهربائي، ونقص الوقود، وصعوبات النقل، إضافة إلى الاعتصامات المتكررة للمعلمين، انخفض عدد أيام التدريس الفعلية إلى نحو أربعة أيام في الأسبوع. هذا التراجع يؤثر سلبًا على إتمام البرامج التعليمية المقررة، ويُضعف مستوى التحصيل الأكاديمي للتلاميذ.
• هجرة الأساتذة: يعاني القطاعان العام والخاص من هجرة جماعية للأساتذة، نتيجة الانهيار الاقتصادي والتدهور الحاد في قيمة الرواتب، حيث فقدت الأجور ما يقارب 90% من قيمتها الفعلية، ما أدى إلى استنزاف رأس المال البشري التربوي.
• البرامج التعليمية القديمة: تعاني هذه البرامج، التي وُضِعت عام 1997، من خللين أساسيين يتمثلان في جمود المحتوى والفجوة الرقمية، إضافة إلى التركيز على التلقين وغياب تنمية مهارات التفكير النقدي والابتكار.
• اللوجستيات والبنية التحتية: تعاني المدارس نقصًا حادًا في الموارد الأساسية مثل المياه، والكهرباء، ووسائل التدفئة، والوقود، والنقل، ما يجعل بيئة التعلم قاسية وغير محفّزة للتلاميذ والأساتذة على حدّ سواء.
• التسرّب المدرسي: بفعل الضغوط المالية على الأسر وإعطاء الأولوية للاحتياجات الأساسية كالغذاء والصحة، ارتفعت معدلات التسرّب المدرسي بشكل مقلق. وتشير تقارير سابقة صادرة عن البنك الدولي ومنظمة اليونيسف (2024) إلى تصاعد خطير في هذه الظاهرة، حيث تُعد نسبة تقارب 52% من الأطفال في سن الدراسة رقمًا واقعيًا جدًا في عام 2025، ما ينذر بكارثة تعليمية واجتماعية طويلة الأمد.
• تحديات التعلّم عن بُعد: برز التعلّم عن بُعد كحل بديل خلال جائحة كورونا، ولا يزال يُستخدم كخيار مؤقت في بعض المناطق، لا سيما في المدارس التي تحوّلت إلى ملاجئ للأسر التي دُمّرت منازلها في الجنوب. إلا أن هذا النمط يواجه تحديات كبيرة تتعلق بالانقطاع المزمن للكهرباء والإنترنت، إضافة إلى نقص الأجهزة الرقمية لدى شريحة واسعة من الطلاب.
• الصحة النفسية: أدّت الأزمات المتلاحقة في البلاد، إلى جانب الحروب في جنوب لبنان، إلى ضغوط نفسية وصدمات عميقة أصابت الأطفال، وأولياء الأمور، والمعلمين، في ظل غياب شبه كامل للدعم النفسي والاجتماعي الممنهج داخل المؤسسات التربوية.ورغم حجم الانهيار وفداحة المشكلات في القطاع التعليمي، يلفت النظر الغياب شبه الكامل لصوت السياسات والحلول الجدية.
فحتى اليوم، ما تزال المقاربات المطروحة سطحية وقصيرة الأمد، في ظل غياب إطار إصلاحي شفاف يربط بين الحوكمة والنتائج التعليمية والتمويل. وفي هذا السياق، ورغم أن أزمة التعليم هي في صلب أزمات البلاد ونتائجها، فإن إصلاح التعليم وتدارك مشكلاته يجب أن يتقدما سلّم الأولويات الوطنية، كونهما يؤثران بشكل مباشر في مستقبل الأجيال، وهم رأس المال الحقيقي للبلاد.
لذلك، يُفترض مقاربة ملف التعليم ضمن مسار إنقاذي جدي يقوم على تمويل دولي مشروط بالإصلاح، وإنشاء شراكات فاعلة مع الخبراء التربويين والمجتمع المدني، إضافة إلى إعادة هيكلة الإدارة التربوية بما يعزّز الشفافية والمساءلة والكفاءة، بدل الاستمرار في إدارة الأزمة بسياسات ترقيعية قصيرة الأمد.
وفي هذا الإطار، لا يمكن فصل الأزمة التعليمية عن بعدها السياسي والأخلاقي. فاستمرار انتكاس التعليم ليس نتيجة حتمية للأزمات المتعاقبة فحسب، بل يعكس فشلًا سياسيًا جليًا في حماية أحد أهم حقوق المواطنين. إن تهميش التعليم ضمن الأولويات الوطنية يشكّل قلة مسؤولية وعنفًا بنيويًا ضد الأجيال الصاعدة، حيث يُترك مستقبلهم رهينة الانهيار، من دون محاسبة أو التزام فعلي أو رؤية واضحة لإعادة بناء الوطن ومؤسساته من بوابة التعليم.
في الخلاصة، إن أزمة التعليم في لبنان ليست أزمة قطاعية منعزلة، بل انعكاس مباشر لأزمات الدولة. غير أن خطورتها تتجاوز الحاضر، لأنها تمس مستقبل رأس المال البشري للبلاد. لذلك، ومن دون إرادة سياسية واضحة وجدية، وتمويل فعلي، وإصلاح بنيوي شامل، يبقى التعليم اللبناني في دائرة الخطر الوجودي، ومعه مستقبل البلاد بأكمله.



