الذكاء الاصطناعي والتهرب الضريبي: عندما تصبح المعركة على البيانات. تحليل معمّق لمحمود مصطفى شحادي

عندما نتحدث اليوم عن الذكاء الاصطناعي في مهنة المحاسبة، ينصرف النقاش غالباً إلى سؤال واحد: هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل المحاسب؟

في رأيي، هذا ليس السؤال الأكثر أهمية.السؤال الأخطر هو: ماذا يحدث عندما تصبح الأنظمة المحاسبية والضريبية أكثر ذكاءً، بينما تبقى البيانات التي تدخل إليها قابلة للتلاعب؟

هذه المسألة ستصبح أكثر أهمية خلال السنوات المقبلة، لأن الذكاء الاصطناعي لا يدخل المحاسبة من باب إعداد القيود والتقارير فقط، بل يدخل أيضاً إلى التدقيق، وإدارة المخاطر، وتحليل البيانات، واكتشاف الاحتيال والتهرب الضريبي.

وهنا تبدأ مرحلة جديدة في العلاقة بين المحاسب والمكلف والإدارة الضريبية.

1. الذكاء الاصطناعي لا يعرف الحقيقة من تلقاء نفسهمن السهل أن نتخيل أن نظاماً ذكياً يستطيع اكتشاف أي تلاعب بمجرد تحليل البيانات. لكن الواقع أكثر تعقيداً، الذكاء الاصطناعي يستطيع تحليل البيانات بسرعة هائلة، ومقارنة ملايين العمليات، واكتشاف العلاقات والأنماط غير المعتادة. لكنه لا يستطيع بالضرورة معرفة أن المعلومة التي أُدخلت إليه كاذبة إذا لم تتوافر له وسيلة مستقلة للتحقق منها.

وهذه نقطة محورية في المحاسبة.إذا أدخلنا إلى النظام إيراداً غير موجود، أو مصروفاً مضخماً، أو فاتورة غير حقيقية، أو بيانات ناقصة، فإن النظام قد يعالج هذه المعلومات بكفاءة عالية، ولكن كفاءة المعالجة لا تجعل المعلومة صحيحة.

بمعنى آخر:الذكاء الاصطناعي قد يكتشف التلاعب بالبيانات، لكنه لا يستطيع دائماً منع الإنسان من صناعة بيانات مضللة من الأساس. وهنا تنتقل إحدى أهم مخاطر المستقبل من التلاعب بالقيد المحاسبي إلى التلاعب بالبيانات التي بُني عليها القيد.

2. الذكاء الاصطناعي قد يخدم المتهرب… وقد يخدم الإدارة الضريبية، هذه هي المفارقة: التكنولوجيا نفسها التي يمكن أن يستفيد منها شخص يريد إخفاء نشاط اقتصادي أو تعقيد مسار المعاملات يمكن أن تستخدمها الإدارة الضريبية لكشف ذلك النشاط.

وهذا ليس مجرد توقع نظري. توضح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، Organisation for Economic Co-operation and Development، المعروفة اختصاراً بـ OECD، أن إدارات ضريبية تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحسين الامتثال واكتشاف التهرب والغش الضريبي. وفي بياناتها المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي في الإدارة الضريبية، كان كشف التهرب والغش الضريبي أكثر مجالات الاستخدام شيوعاً.

والأهم أن الذكاء الاصطناعي يمكنه البحث عن أشياء يصعب على التدقيق التقليدي اكتشافها بسهولة: أنماط متكررة، علاقات غير واضحة بين معاملات مختلفة، سلوك غير معتاد لمكلف معين، أو اختلافات بين مصادر متعددة للمعلومات.

وهنا يصبح حجم البيانات عاملاً حاسماً.

3. من التدقيق بالعينة إلى التدقيق القائم على المخاطر: التدقيق التقليدي يعتمد بدرجة كبيرة على العينات والإجراءات المحددة والحكم المهني للمدقق.

أما عندما تدخل تحليلات البيانات والذكاء الاصطناعي إلى العملية، يصبح بالإمكان فحص نطاق أوسع بكثير من العمليات وتحديد الحالات الأكثر إثارة للشك قبل بدء التدقيق التفصيلي.

لا يعني ذلك أن الآلة أصبحت مدققاً، بل يعني أن الآلة يمكن أن تساعد المدقق في الإجابة عن سؤال مهم: أين ينبغي أن أركز وقتي وجهدي؟وهذا تطور مهم جداً.

فالمدقق الذي كان يحتاج إلى ساعات طويلة للبحث عن بعض العمليات غير الطبيعية يستطيع استخدام التحليل الآلي لتحديد مجموعة من المعاملات ذات المخاطر الأعلى، ثم يركز حكمه المهني عليها.

ومن هنا يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لرفع كفاءة التدقيق، وليس بديلاً عن المدقق.

4. ماذا يحدث عندما يستخدم الذكاء الاصطناعي في التهرب الضريبي؟ من الناحية النظرية، يمكن للتكنولوجيا المتقدمة أن تجعل بعض أساليب التلاعب أكثر تعقيداً.

لكن علينا أن نكون دقيقين هنا: المشكلة ليست أن الذكاء الاصطناعي «يخلق» التهرب الضريبي. فالتهرب الضريبي موجود قبل الذكاء الاصطناعي بوقت طويل. المشكلة أن التكنولوجيا قد تخفض تكلفة بعض أشكال التلاعب، وتزيد سرعتها وتعقيدها، خصوصاً عندما تتوافر كميات كبيرة من البيانات والأدوات القادرة على تحليلها.

وقد حذرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بالفعل من أن بعض الجهات التي تمارس الاحتيال أصبحت قادرة على استخدام تقنيات أكثر تطوراً لتحليل البيانات واستغلال نقاط الضعف، كما أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يمكن أن يزيد من مخاطر بعض أشكال الاحتيال والتزوير.

لكن في المقابل، تستطيع الإدارة الضريبية استخدام التكنولوجيا نفسها لمواجهة هذه المخاطر. وهنا ستصبح المنافسة أكثر اعتماداً على جودة البيانات والقدرة التحليلية.

5. لبنان: المشكلة تبدأ من جودة البيانات، بالنسبة إلى لبنان، أعتقد أن النقاش يجب ألا يبدأ من السؤال: «هل نحتاج إلى الذكاء الاصطناعي؟» بل من سؤال أكثر أساسية: «هل نملك البيانات التي تسمح للذكاء الاصطناعي بأن يكون مفيداً؟» هذه نقطة جوهرية.

وزارة المالية اللبنانية لديها بالفعل منظومة إلكترونية وخدمات ضريبية رقمية، كما أن بعض التصاريح والبيانات الضريبية أصبحت تقدم إلكترونياً. وتوضح وزارة المالية، مثلاً، أن التصريح السنوي عن ضريبة الرواتب والأجور والكشوف الفردية والإجراءات المرتبطة بها أصبحت مرتبطة بأنظمة إلكترونية، كما أن لديها خدمات إلكترونية لتقديم نماذج ضريبية مختلفة.

لكن الرقمنة وحدها لا تعني أننا أصبحنا نملك منظومة ذكاء اصطناعي فعالة. هناك فرق كبير بين رقمنة المستندات وبين بناء منظومة بيانات ضريبية مترابطة وقابلة للتحليل. المرحلة الثانية هي التي تفتح الباب فعلياً أمام الذكاء الاصطناعي.

6. ماذا لو أصبحت البيانات مترابطة؟ لنفترض مستقبلاً أن الإدارة الضريبية تستطيع، ضمن إطار قانوني يحمي الخصوصية والحقوق، مقارنة مجموعة من البيانات ذات الصلة. عندها يمكن مثلاً مقارنة:دخل المكلف المصرح عنه مع طبيعة نشاطه ومبيعاته ومصاريفه ومعلومات الأطراف المتعاملة معه ومعلومات الرواتب والبيانات المتاحة من أنظمة الفوترة الإلكترونية والبيانات التي تسمح القوانين بالوصول إليها من مصادر أخرى.

عند هذه النقطة، لا يعود السؤال فقط: «ماذا صرّح المكلف؟» بل يصبح: «هل تتوافق المعلومات التي صرّح بها مع الصورة الاقتصادية التي تظهرها البيانات الأخرى؟» وهذا تغيير جذري في فلسفة الإدارة الضريبية.

7. من الضريبة القائمة على التصريح إلى الضريبة القائمة على التحقق: النظام الضريبي يحتاج إلى التصريح الذي يقدمه المكلف، لكن التكنولوجيا يمكن أن تضيف طبقة أخرى من التحقق. وهنا يمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لاكتشاف التناقضات وليس مجرد أداة لمعالجة الملفات. فمثلاً، إذا كان نشاط اقتصادي معين يحقق نمطاً معيناً من الإيرادات والمصروفات لدى آلاف المنشآت، ثم ظهرت منشأة تختلف بصورة كبيرة وغير مبررة عن هذا النمط، فقد تصبح هذه المنشأة حالة تستحق المراجعة.

لكن يجب الانتباه إلى أمر مهم: الاختلاف لا يعني التهرب.قد يكون هناك تفسير اقتصادي مشروع.وهنا يعود الإنسان إلى المشهد.

8. لماذا سيبقى المحاسب والمدقق ضرورياً؟ لأن اكتشاف الحالة ليس هو نفسه إصدار الحكم عليها. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقول: «هذه المعاملة غير معتادة.» لكن المحاسب أو المدقق يستطيع أن يسأل: «لماذا هي غير معتادة؟» يمكن للنظام أن يقول: «هذه المنشأة لديها هامش ربح مختلف بصورة كبيرة عن منشآت مشابهة.» لكن الخبير يستطيع أن يكتشف أن السبب هو اختلاف نموذج الأعمال أو السوق أو طبيعة المنتجات.

وهنا تظهر قيمة الخبرة: الذكاء الاصطناعي ممتاز في معالجة الأنماط. الإنسان أفضل في فهم السياق والمسؤولية والحكم المهني. ولهذا لا أعتقد أن مستقبل المحاسبة سيكون «إنساناً ضد آلة». الأقرب إلى الواقع هو: إنسان يستخدم آلة قوية.

9. المحاسب الذي سيدفع الثمن هو محاسب الماضي: هناك جانب آخر يجب ألا نتجاهله. الذكاء الاصطناعي لن يختفي معه المحاسب، لكنه قد يغير بصورة كبيرة قيمة بعض المهام التي يؤديها المحاسب. إدخال البيانات، التصنيف الأولي، المطابقات المتكررة، إعداد التقارير الروتينية، البحث في كميات ضخمة من المستندات.

هذه كلها مهام يمكن أن تصبح أكثر آلية. لكن هناك مهام أخرى قد ترتفع قيمتها: تحليل البيانات، التدقيق القائم على المخاطر،التخطيط الضريبي المشروع، فهم التشريعات، تقييم أنظمة الرقابة الداخلية، اكتشاف الاحتيال، تفسير النتائج، الحكم المهني والأهم: تحمل المسؤولية المهنية.

لذلك فإن السؤال الصحيح للمحاسب ليس:«كيف أحمي وظيفتي من الذكاء الاصطناعي؟» بل:«كيف أصبح المحاسب الذي يحتاج إليه الذكاء الاصطناعي؟»

10. لا يجوز أن نثق بالآلة بصورة عمياء: هناك خطر معاكس أيضاً. قد نصل إلى مرحلة يصبح فيها المفتش أو المدقق شديد الاعتماد على نموذج ذكاء اصطناعي، فيتعامل مع نتيجة النموذج وكأنها حقيقة نهائية، وهذا خطأ مهني. الذكاء الاصطناعي يمكن أن يخطئ بسبب بيانات ناقصة أو غير دقيقة، أو بسبب تصميم النموذج، أو بسبب سوء تفسير العلاقة بين المتغيرات.

ولهذا تشدد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على قضايا جودة البيانات والخصوصية والأمن والشفافية والاستخدام الموثوق للذكاء الاصطناعي في الإدارة الضريبية. وهذه ليست مسألة تقنية فقط.إنها مسألة عدالة ضريبية أيضاً. فإذا صنف نظام آلي مكلفاً على أنه عالي المخاطر، يجب أن تكون هناك قدرة بشرية على مراجعة السبب وفهمه والاعتراض عليه ضمن الإجراءات القانونية.

11. أين تكمن المعركة الحقيقية؟ أعتقد أن المعركة القادمة لن تكون بين المحاسب والذكاء الاصطناعي. ستكون على مستوى أعمق: من يملك البيانات؟ من يستطيع تحليلها؟ من يستطيع ربطها؟ من يستطيع اكتشاف التناقضات؟ ومن يملك الخبرة الكافية لتفسير النتائج؟ وهذا ينطبق على الطرفين. المكلف الذي يريد الالتزام يحتاج إلى أنظمة محاسبية وبيانات سليمة. والإدارة الضريبية التي تريد مكافحة التهرب تحتاج إلى بيانات موثوقة ومتكاملة وتحليل ذكي.

أما المحاسب والمدقق، فسيجدان نفسيهما في وسط هذه المنظومة.

12. الدرس اللبناني: لبنان لا يحتاج بالضرورة إلى تقليد الدول المتقدمة حرفياً. لكنه يستطيع الاستفادة من تجاربها. والأولوية، في رأيي، ليست شراء أحدث نظام ذكاء اصطناعي. الأولوية هي بناء منظومة معلومات ضريبية أكثر تكاملاً، وتحسين جودة البيانات، وتعزيز الرقمنة، وتطوير مهارات الموظفين والمحاسبين والمدققين، ووضع قواعد واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي مع حماية حقوق المكلفين. فالذكاء الاصطناعي من دون بيانات جيدة قد ينتج قرارات سيئة بسرعة أكبر.

أما البيانات الجيدة مع الذكاء الاصطناعي والخبرة البشرية، فقد تجعل اكتشاف التهرب أكثر دقة وأقل اعتماداً على العمل اليدوي العشوائي. وهنا تحديداً يمكن للبنان أن يحول التكنولوجيا من مجرد أداة إدارية إلى أداة لتعزيز العدالة الضريبية.

الخلاصةالذكاء الاصطناعي لن ينهي التهرب الضريبي. ومن غير الواقعي الاعتقاد بأنه سيحل محل المحاسب أو المدقق أو الموظف الضريبي. لكنه سيغير قواعد اللعبة.

فالمتهرب المحتمل يستطيع استخدام التكنولوجيا لتعقيد بعض الأساليب، والإدارة الضريبية تستطيع استخدام التكنولوجيا نفسها لاكتشاف الأنماط التي كانت تختفي وسط ملايين العمليات. وفي هذه البيئة الجديدة، ستصبح البيانات هي ساحة المعركة الأساسية. لكن البيانات وحدها لا تكفي. نحتاج إلى التكنولوجيا لتحليلها، وإلى المحاسب لفهمها، وإلى المدقق لاختبارها، وإلى الإدارة الضريبية لاستخدامها بصورة قانونية وعادلة، وإلى المشرّع لوضع الإطار الذي يحمي المال العام وحقوق المكلف في الوقت نفسه.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn

Your Next Chapter Starts Here

I'll help you unlock new opportunities and turn your passion into progress
آخر الإضافات

النشرة البريدية

بريدي من بيروت
اشترك لتصلك رسائل فكرية وأدبية من قلب المدينة.