تُعدّ اللغة العربية لغةً ساميةً ذات تاريخ عريق، وتتميّز بقدرتها البلاغية وثرائها اللغوي من حيث الأصوات والبنية الاشتقاقية. كما تكتسب اللغة العربية مكانةً خاصة لكونها لغة القرآن الكريم، وهو ما يمنحها بعداً دينياً وثقافياً فريداً.
وبفضل هذا الامتداد الحضاري والبشري، تحتل اللغة العربية المرتبة الخامسة بين لغات العالم من حيث عدد المتحدثين، بعد الإنجليزية، الصينية، الهندية، والإسبانية، إذ يستعملها أكثر من 300 مليون شخص كلغة أم، إضافةً إلى نحو 120 مليون شخص يتخذونها لغةً ثانية.
غير أنّ هذا الحضور الديمغرافي والديني لا يحجب التحديات التي تواجهها لغات العالم باستثناء اللغة الإنكليزية. فوفقاً لمنظمة اليونسكو، فإن نصف لغات العالم مهدد بالاندثار مع مطلع القرن المقبل، ورغم أن اللغة العربية تبقى في مأمن نسبي من هذا الخطر، باعتبارها لغة ما يزيد عن ملياري مسلم منتشرين في مختلف أنحاء العالم، فإن انحسار المحتوى العربي على شبكة الإنترنت يُعدّ من أبرز المخاطر التي تواجهها اليوم، إذ لا تتجاوز نسبته 1% من إجمالي المحتوى العالمي، بينما يتخطى المحتوى باللغة الإنجليزية نسبة %58.
في هذا الإطار، واحتفاءً باليوم العالمي للغة العربية، لا يقتصر التحدي على تحصين اللغة العربية وحمايتها من الاندثار فحسب، بل يمتد أيضاً إلى تثبيت علاقتها بالأجيال الجديدة، من خلال مواكبة التحولات الثقافية والتكنولوجية، واستعادة حضورها في الوعي اليومي للمتعلمين، وجعلها لغة قادرة على التعبير عن الواقع.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مقاربات حديثة تتخطى التعليم التقليدي القائم على التلقين، وتعيد للغة بعدها الجمالي والإنساني، ويأتي السرد القصصي كأحد أهم هذه الوسائل.ويتمثل دور السرد القصصي في تحصين اللغة العربية وبناء جسور جديدة بينها وبين المتعلمين عبر عدة مستويات، لغوية وثقافية وتربوية، تجعل اللغة أكثر ارتباطاً بالجيل الجديد، وأقرب إلى الحياة.فمن حيث الوظيفة اللغوية، تساهم القصة في تقديم اللغة العربية كلغة حياة يومية فعالة للتعبير عن التجارب والمشاعر الإنسانية، لا مجرد لغة مناهج مدرسية.
فمن خلال السرد، تتحرر اللغة من إطارها الجامد، وتستعيد وظيفتها كلغة تواصل حيّة متصلة بتجارب المتعلم وواقعه.
كما تلعب الحكاية دوراً جوهريا في تنمية القدرة التعبيرية والخيال لدى المتعلم، إذ تتيح له مساحة التعبير الحر والتفكير الإبداعي. ومن خلال التفاعل مع القصة، ويطوّر المتعلم مهاراته في التعبير الشفهي والكتابي بأسلوب أكثر ثراء ومرونة، ويكتسب ثقة أكبر في استعمال اللغة.
ومن منظور تاريخي وثقافي، شكّل السرد عبر القرون أحد أهم وسائل تطور اللغة العربية، من والأساطير الشعبية والحكايات الشفهية إلى أشكال السرد المعاصر كالرواية والقصة. وقد ساعد هذا الامتداد السردي في إبقاء اللغة متجددة متكيفة مع التحولات الثقافية والاجتماعية دون فقدان جوهرها.
من هذا المنطلق، يُعدّ السرد القصصي مدخلاً فعالاً لاستعادة الهوية الثقافية واللغوية، لما يحمله من ذاكرة جماعية وقيم. فمن خلال الرواية، تتجدد علاقة الأشخاص بلغتهم، وتشتد لديهم مشاعر الانتماء والافتخار بالتراث الثقافي واللغوي، بما يوطد حضور اللغة العربية عند الأجيال الجديدة.
في ظل التغيرات السريعة التي يشهدها العالم، أصبحت اللغة العربية في حاجة إلى معادلات تُعيد وصلها بالحياة والإنسان. ويُعتبر السرد القصصي أحد أفضل الوسائل لتجديد حضورها في وعي أجيال المقبلة، بوصفها لغة تعبير وثقافة وهوية، لا مجرد لغة مناهج وتعليم.



