نشرت العربية.نت مقالاً علمياً بعنوان «ليس المال ولا المتعة.. علماء يكشفون السر الحقيقي للسعادة»، يستعرض نتائج دراسة حديثة لباحثين من جامعة تورنتو الكندية حول العوامل النفسية المرتبطة بالسعادة والرضا عن الحياة.
وتطرح الدراسة فكرة تتجاوز التصور الشائع الذي يربط السعادة بالمال أو المتعة أو كثرة المشاعر الإيجابية، لتشير إلى أهمية شعور الإنسان بأنه يمتلك زمام حياته وقادراً على اتخاذ قراراته بإرادته.تنطلق الدراسة من سؤال أساسي حول معنى «الحياة الجيدة»: هل تكمن في مقدار المتعة التي يعيشها الإنسان وتجنبه الألم والمشاعر السلبية، أم أن الحياة يمكن أن تكون جيدة وذات قيمة حتى عندما لا تكون ممتعة في كل لحظة؟
ويضع الباحثون هذا السؤال ضمن اتجاهين أساسيين في التفكير العلمي حول الرفاه. الأول هو المنظور اللذّي الذي يربط الحياة الجيدة بالمتعة وتجنب المعاناة، بينما يرى الاتجاه الثاني أن جودة الحياة قد تتضمن أهدافاً وتجارب وقيماً لا تؤدي بالضرورة إلى شعور فوري بالسعادة.
وفي هذا الإطار، ركز الباحثون على ثلاثة احتياجات نفسية أساسية: العلاقات الإنسانية ذات المعنى، والشعور بالكفاءة والقدرة على الإنجاز والتأثير، والاستقلالية، أي إحساس الإنسان بأن أفعاله وقراراته نابعة من اختياره الشخصي وليست نتيجة الإكراه أو الضغط الخارجي.
وتشير النتائج إلى أن الاحتياجات الثلاثة ترتبط بالرضا عن الحياة، لكن طبيعة هذه العلاقة ليست واحدة. فالعلاقات والكفاءة ترتبطان بدرجة كبيرة بالرضا لأنهما تساعدان الإنسان على اختبار مشاعر إيجابية. أما الاستقلالية فتبدو أكثر تميزاً، إذ ظل ارتباطها بالرضا عن الحياة قائماً حتى بعد احتساب مقدار المشاعر الإيجابية والسلبية التي يعيشها الفرد.
وهنا تكمن الفكرة الأساسية في السعادة الحقيقية كما يعرضها المقال: قد لا يكون الإنسان أكثر سعادة لأنه يحصل دائماً على ما يمنحه المتعة، بل لأنه يشعر بأن حياته ناتجة عن اختياراته الخاصة.
فالاستقلالية تمنح الفرد إحساساً بالملكية النفسية لمساره، حتى عندما يكون الطريق الذي اختاره صعباً أو غير مريح. وتوضح هذه الفكرة لماذا قد يتخذ الإنسان أحياناً قرارات تبدو متناقضة مع البحث المباشر عن المتعة. فقد يختار وظيفة أكثر صعوبة لأنها تمنحه حرية أكبر في العمل، أو ينتقل إلى مكان جديد رغم مشقة التغيير لأنه يريد بناء حياته وفق اختياراته بعيداً عن ضغوط البيئة التي اعتاد عليها.
هذه القرارات قد لا تزيد المشاعر الإيجابية في كل لحظة، لكنها يمكن أن تزيد الإحساس بأن الشخص يعيش الحياة التي اختارها بنفسه.ومن هنا تطرح الدراسة تمييزاً مهماً بين «الشعور الجيد» و«الحياة الجيدة». فقد يمر الإنسان بفترات من التعب أو القلق أو الصعوبة وهو يشعر في الوقت نفسه بأن حياته ذات معنى وأن قراراته تعبر عنه. وبالعكس، يمكن أن يعيش شخص ظروفاً مريحة وممتعة لكنه يشعر بأنه مقيد، أو أن خياراته تفرضها عليه الأسرة أو المجتمع أو العمل أو الظروف الاقتصادية، فيفتقد الإحساس بالرضا العميق.
ولا يعني ذلك أن المال أو المتعة أو العلاقات ليست مهمة للسعادة؛ فالمقال لا يقدم الاستقلالية باعتبارها العامل الوحيد في الرفاه النفسي. وإنما تكشف النتائج أن الرضا عن الحياة أوسع من مجرد حصيلة المشاعر الإيجابية، وأن شعور الإنسان بالقدرة على اختيار مساره قد يمتلك قيمة مستقلة في تقييمه لحياته.
وتقود هذه النتيجة إلى إعادة التفكير في الطريقة التي نقيس بها السعادة. فإذا كان السؤال الوحيد هو «هل أشعر بالسعادة؟»، فقد نفقد جانباً مهماً من التجربة الإنسانية. وربما يكون السؤال الأكثر عمقاً: «هل أشعر أنني أعيش الحياة التي اخترتها؟». فالفرق بين السؤالين يكشف أن الإنسان لا يبحث فقط عن المتعة، وإنما عن معنى وفاعلية وحرية في تحديد اتجاه حياته.
وفي النهاية، يقدم المقال السعادة الحقيقية باعتبارها مفهوماً أكثر تعقيداً من امتلاك المال أو البحث المستمر عن المتعة. فالإنسان يحتاج إلى علاقات ذات معنى، وإلى الشعور بالكفاءة والقدرة على الإنجاز، لكنه يحتاج أيضاً إلى الاستقلالية؛ أي إلى الإحساس بأن قراراته ومساره الشخصي يعبران عن إرادته.
ووفق النتائج التي يستعرضها المقال، قد يكون هذا الشعور بالاختيار أحد المفاتيح المهمة لفهم سبب شعور بعض الناس بالرضا حتى وسط الصعوبات، بينما يفتقده آخرون رغم توافر ظروف تبدو مريحة من الخارج.



