نُشر هذا المقال في مجلة الضحى بتوقيع د. دعد عبدالخالق، ويتناول واحدة من أكثر القضايا التربوية حساسية في عصرنا الحديث، وهي تربية الأبناء في زمن الشاشات، حيث لم تعد التكنولوجيا مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبحت عنصرًا فاعلًا في تشكيل وعي الأجيال الجديدة وسلوكهم اليومي.
يعرض المقال بصورة موسّعة التحولات العميقة التي طرأت على البيئة التربوية داخل الأسرة، نتيجة الانتشار الواسع للأجهزة الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي. فالأطفال والمراهقون اليوم يعيشون في فضاء رقمي مفتوح، يتلقون من خلاله كماً هائلًا من المعلومات والتأثيرات، ما يجعل دور الأهل أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. ويؤكد المقال أن تربية الأبناء في زمن الشاشات لم تعد مسألة ضبط سلوك فقط، بل أصبحت عملية توجيه واعٍ ومتواصل لبناء شخصية متوازنة قادرة على التعامل مع هذا الواقع.
يتوقف المقال عند إشكالية الوقت، حيث يشير إلى أن الاستخدام المفرط للشاشات بات من أبرز التحديات التي تواجه الأسرة. فالساعات الطويلة التي يقضيها الأطفال أمام الأجهزة تؤثر بشكل مباشر على تركيزهم، ونمط نومهم، وحتى تفاعلهم الاجتماعي. ومن هنا، تبرز أهمية وضع ضوابط زمنية واضحة، لا تقوم على المنع القاسي، بل على التوازن المدروس بين الترفيه والتعلم والحياة الواقعية.
كما يسلّط الضوء على مسألة المحتوى، التي لا تقل خطورة عن عامل الوقت. فالمحتوى غير المناسب يمكن أن يؤثر على منظومة القيم لدى الطفل، ويشوّش قدرته على التمييز بين الصحيح والخاطئ. لذلك يشدد المقال على ضرورة اعتماد الحوار كأداة أساسية في التربية، حيث يساعد النقاش المفتوح في بناء وعي نقدي لدى الأبناء، ويجعلهم شركاء في عملية الاختيار بدل أن يكونوا مجرد متلقين سلبيين.
ويتعمق المقال في تحليل أثر الشاشات على العلاقات الأسرية، موضحًا كيف أدّت هذه الوسائل إلى تراجع الجلسات العائلية التقليدية، واستبدالها بعزلة رقمية يعيشها كل فرد على حدة. هذا التباعد ينعكس سلبًا على مهارات التواصل لدى الأطفال، ويضعف قدرتهم على التعبير عن مشاعرهم وبناء علاقات صحية في الواقع.
في المقابل، يبرز المقال الدور الحاسم للأهل كقدوة. فالأب والأم لا يوجهان أبناءهم بالكلام فقط، بل بسلوكهم اليومي. وعندما يلتزم الأهل باستخدام متوازن للتكنولوجيا، فإنهم يرسّخون هذه القيم عمليًا لدى أطفالهم. كما أن التعاون بين الوالدين في وضع قواعد واضحة يعزز الشعور بالاستقرار والأمان داخل الأسرة، وهو عنصر أساسي في نجاح تربية الأبناء في زمن الشاشات.
ولا يغفل المقال التأثيرات النفسية والسلوكية المرتبطة بالإفراط في استخدام الأجهزة، مثل القلق، واضطرابات النوم، وتدنّي تقدير الذات، خاصة لدى المراهقين. وهنا يؤكد على أهمية توفير بيئة داعمة يشعر فيها الطفل بأن الأسرة هي الحاضن الأساسي له، قبل أي عالم افتراضي.
ورغم كل هذه التحديات، لا يتبنى المقال موقفًا سلبيًا من التكنولوجيا، بل يدعو إلى إعادة توظيفها بشكل إيجابي. فالتكنولوجيا، إذا أُحسن استخدامها، يمكن أن تكون وسيلة فعالة للتعلم، وتنمية المهارات، واكتشاف المواهب. وهنا يكمن جوهر الفكرة: تربية الأبناء في زمن الشاشات ليست معركة ضد التكنولوجيا، بل هي شراكة ذكية معها، قائمة على الوعي، والتوازن، والحضور الإنساني الحقيقي داخل الأسرة.



