في وقت فرضت فيه الحرب الإسرائيلية على لبنان واقعاً استثنائياً على القطاع التربوي، عاد الجدل حول شهادة البريفيه إلى الواجهة بقوة.
فقرار وزارة التربية إلغاء الامتحانات الرسمية للشهادة المتوسطة واستبدالها بالتقييم المدرسي لم يفتح فقط باب النقاش حول تداعيات الحرب على التعليم، بل أعاد طرح سؤال أكثر عمقاً: هل ما زالت شهادة البريفيه ضرورية أصلاً؟ أم أن الأحداث الأخيرة كشفت هشاشة نظام تقييم لم يعد يواكب التحولات العلمية والتكنولوجية التي يشهدها العالم؟
قرار الإلغاء الذي اتخذته وزارة التربية جاء في ظل عام دراسي وصفته وزيرة التربية ريما كرامي بأنه “غير طبيعي”، نتيجة الظروف الأمنية والنفسية والاجتماعية التي عاشها الطلاب، فضلاً عن تفاوت القدرة على استكمال المناهج بين المناطق والمدارس. واعتمدت الوزارة العلامات المدرسية والامتحانات الداخلية بديلاً عن الامتحانات الرسمية للشهادة المتوسطة.
وقالت كرامي في مؤتمر صحافي إن الظروف الاستثنائية فرضت مقاربة مختلفة، مؤكدة في الوقت نفسه ضرورة الحفاظ على مصداقية الشهادات الرسمية وعدم المساس بقيمتها التربوية.
لكن بعيداً عن الأسباب الأمنية، يبدو أن النقاش الحقيقي يتمحور حول مستقبل هذه الشهادة نفسها.
شهادة انتقال أم شهادة بلا وظيفة؟
يرى عدد من الخبراء التربويين أن البريفيه فقد منذ سنوات جزءاً كبيراً من مبررات وجوده. فهذه الشهادة لا تمنح صاحبها مؤهلات مهنية، ولا تفتح أمامه أبواب سوق العمل، كما أنها لا تشكل نهاية لمسار تعليمي مستقل، بل مجرد محطة انتقالية بين التعليم الأساسي والثانوي.
ويقول خبير تربوي لبناني فضل عدم ذكر اسمه إن “البريفيه كان يؤدي وظيفة واضحة في مراحل سابقة من تاريخ التعليم اللبناني عندما كانت نسبة كبيرة من الطلاب تتوقف عن الدراسة بعد المرحلة المتوسطة. أما اليوم فقد تغيرت طبيعة المجتمع وسوق العمل، وأصبح الحد الأدنى المطلوب هو استكمال التعليم الثانوي وربما الجامعي”.
ويضيف: “السؤال لم يعد إذا كانت الشهادة مهمة أو غير مهمة، بل ما الذي تقيسه فعلاً؟ هل تقيس مهارات التفكير والإبداع والابتكار، أم مجرد القدرة على حفظ المعلومات واسترجاعها؟”.
المعلمون بين مؤيد ومعارض
داخل الجسم التعليمي نفسه لا يوجد إجماع كامل حول مصير البريفيه.
فبعض المعلمين يعتبرون أن الامتحان الرسمي يشكل أداة ضرورية لضبط مستوى التعليم بين المدارس الرسمية والخاصة، ويؤمن معياراً وطنياً موحداً للتقييم.
تقول إحدى معلمات اللغة العربية في مدرسة رسمية جنوب لبنان: “بالرغم من كل الانتقادات، يبقى الامتحان الرسمي فرصة لقياس الحد الأدنى من الكفايات التعليمية لدى الطلاب بعيداً عن تفاوت مستويات المدارس”.
في المقابل، يرى معلمون آخرون أن البريفيه تحول إلى عبء نفسي وإداري أكثر منه أداة تربوية فاعلة.
ويقول أستاذ علوم في إحدى المدارس الخاصة: “نحن ندرّب الطلاب أشهراً طويلة على كيفية النجاح في الامتحان، لا على كيفية التفكير. وهذا بحد ذاته مؤشر إلى أن فلسفة التقييم تحتاج إلى مراجعة”.
ماذا يقول خبراء الذكاء الاصطناعي؟
مع الانتشار المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعي، تغيرت النظرة العالمية إلى مفهوم التعلم نفسه.
ففي السابق كان النجاح الأكاديمي يرتبط بكمية المعلومات التي يمتلكها الطالب، أما اليوم فأصبحت المعرفة متاحة للجميع خلال ثوانٍ عبر التكنولوجيا. لذلك باتت الأنظمة التعليمية المتقدمة تركز على مهارات التفكير النقدي والتحليل وحل المشكلات والقدرة على التحقق من المعلومات بدلاً من حفظها.
ويرى متخصصون في تكنولوجيا التعليم أن الامتحانات التقليدية التي تعتمد على الحفظ لم تعد تعكس الكفاءات المطلوبة في سوق العمل الحديث.
ويقول أحد الباحثين في تكنولوجيا التعليم: “في عصر الذكاء الاصطناعي، لا يمكن أن يكون الهدف من التقييم معرفة ما إذا كان الطالب يحفظ المعلومات، بل معرفة كيف يستخدمها وكيف يوظف التكنولوجيا بشكل أخلاقي وفعال لإنتاج معرفة جديدة”.
ويضيف: “معظم الدول المتقدمة تتجه نحو التقييم المستمر والمشاريع التطبيقية والملفات الرقمية للإنجازات، بينما ما زالت أنظمة كثيرة في المنطقة تعتمد امتحانات وضعت فلسفتها قبل عقود”.
هل تحقق الشهادة مردوداً علمياً؟
من الناحية العلمية، يؤكد مختصون في القياس والتقويم التربوي أن الامتحان التقليدي يقدم صورة محدودة جداً عن قدرات الطالب الحقيقية.
فالنتيجة النهائية تعكس أداء الطالب في أيام محددة، لكنها لا تقيس بالضرورة مهارات الإبداع أو التعاون أو التفكير النقدي أو التعلم الذاتي.
وتشير دراسات تربوية عالمية إلى أن النجاح في الامتحانات الموحدة لا يشكل دائماً مؤشراً دقيقاً على النجاح الجامعي أو المهني مستقبلاً، خصوصاً مع التحولات الجذرية التي يشهدها الاقتصاد الرقمي وسوق العمل العالمي.
إصلاح التقييم أم إلغاء الشهادة؟
بالرغم من تصاعد الأصوات المطالبة بإلغاء البريفيه نهائياً، يحذر خبراء من أن إلغاء الشهادة وحده لن يكون حلاً سحرياً.
فالمشكلة، بحسب هؤلاء، ليست في الامتحان فقط، بل في فلسفة التعليم والتقييم والمناهج معاً.
وتؤكد وزارة التربية أن مشروع تطوير المناهج الذي يجري العمل عليه يتضمن تحديثاً لآليات القياس والتقييم واعتماد مقاربات ترتكز على الكفايات والمهارات، بما يتماشى مع الاتجاهات التربوية الحديثة.
بين الحرب والمستقبل
ربما فرضت الحرب قرار إلغاء البريفيه هذا العام، لكن النقاش الذي ولد من رحم الأزمة يبدو أكبر بكثير من مجرد امتحان رسمي.
فما يحدث اليوم يضع لبنان أمام سؤال مصيري: هل يستمر في تقييم طلابه بأدوات صممت لعالم مختلف تماماً، أم يواكب الثورة العلمية والرقمية التي تعيد تعريف مفهوم التعليم والنجاح؟
وبين من يعتبر البريفيه ضمانة تربوية يجب الحفاظ عليها، ومن يراه شهادة فقدت مبررات وجودها، يبقى المؤكد أن مستقبل التعليم اللبناني لن يُحسم بقرار إلغاء أو إجراء امتحان، بل بمدى قدرة الدولة على بناء نظام تعليمي يقيس ما يحتاجه طلاب القرن الحادي والعشرين بالفعل، لا ما كان يحتاجه طلاب القرن الماضي.


