جيل بلا سقف في لبنان في مواجهة أسوأ أزمة اقتصادية. استعراض مقال عبير درويش

ينطلق المقال من مشهد يومي بسيط لكنه كثيف الدلالة: شاب لبناني في الخامسة والعشرين يحاول احتساب مصاريفه بالدولار فيما راتبه بالكاد يلامس حدود البقاء.

هذا المشهد لا يُقدَّم بوصفه حالة فردية، بل كمدخل سردي يعكس واقع جيل كامل يعيش في اقتصاد فقد توازنه، وفي دولة تآكلت فيها العلاقة بين العمل والدخل والحياة الكريمة.

منذ عام 2019، ومع الانهيار غير المسبوق للعملة الوطنية، وجد الشباب أنفسهم في مواجهة تضخم مفرط وانكماش اقتصادي حاد أفقدهم القدرة على التخطيط للمستقبل، وجعل الحاضر نفسه عبئاً ثقيلاً.يعرض المقال الأرقام بوصفها شواهد لا كإحصاءات مجردة.

فقدان الليرة لأكثر من 98% من قيمتها، انكماش الناتج المحلي بأكثر من 38%، وارتفاع البطالة بين الشباب إلى ما يقارب النصف، كلها مؤشرات تُستخدم لتفسير التحوّل البنيوي في حياة الشباب لا لتزيين النص.

الاقتصاد هنا لا يُقرأ كمنحنى بياني، بل كقوة ضاغطة تعيد تشكيل السلوك الاجتماعي والمهني والنفسي لجيل كامل. الرواتب التي لا تتجاوز 100 أو 150 دولاراً شهرياً تقف في مواجهة كلفة معيشة مُسعَّرة بالدولار، ما يحوّل أبسط الاحتياجات إلى معادلة يومية معقّدة.

في هذا السياق، يبرز مفهوم «اقتصاد التأقلم» كإطار غير معلن تعيش ضمنه شريحة واسعة من الشباب. لم تعد الوظيفة الواحدة كافية ولا متاحة أصلاً، فكان اللجوء إلى العمل المتعدد، والاقتصاد الرقمي، والعمل الحر عبر المنصات الاجتماعية، والتجارة الصغيرة، كاستجابات تلقائية لانهيار النموذج التقليدي لسوق العمل.

يعرض المقال هذه الظاهرة بوصفها دليلاً على مرونة هذا الجيل وقدرته على الابتكار، لكنه لا يقع في فخ تمجيدها، بل يضعها في مكانها الصحيح: حلول فردية في ظل غياب سياسات عامة داعمة، ونمو غير منظم في اقتصاد هش.

ولا يكتفي النص بالبعد الاقتصادي، بل ينتقل بسلاسة إلى البعد النفسي والاجتماعي للأزمة. القلق المزمن، الإحباط، الشعور بتعليق الحياة، كلها عناصر تتكرّر في شهادات الشباب، لتكشف أن الأزمة لم تعد مسألة دخل فقط، بل أزمة معنى واستقرار وأمان نفسي.

في هذا المناخ، تتحوّل الهجرة من خيار إلى أفق شبه وحيد. يصف المقال هذا النزيف البشري لا كحلم فردي بالخلاص، بل كخطر بنيوي يهدد قدرة لبنان المستقبلية على التعافي، عبر استنزاف كفاءاته الشابة وطاقاته المنتجة.

يعزّز المقال طرحه بآراء خبراء محليين ودوليين، فيربط الواقع اليومي للشباب بفشل السياسات الاقتصادية والإصلاحية. يشير صندوق النقد الدولي إلى عدم كفاية الخطوات الحالية، فيما يحذّر اقتصاديون لبنانيون من أن أي تصعيد أمني إضافي قد يدفع الاقتصاد إلى انكماش أعمق، ما يعني مزيداً من البطالة والهشاشة.

كما يضع المقال الأزمة في إطارها الهيكلي الأوسع، مشيراً إلى نموذج اقتصادي ريعي، معتمد على الخدمات والمصارف، ضعيف الإنتاجية، وعاجز عن امتصاص الصدمات أو خلق فرص عمل واسعة.

ورغم هذا السواد، لا يُغلق المقال الأفق. بل يعود ليؤكد أن «جيل بلا سقف» ليس جيلاً مستسلماً، بل جيلاً يبتكر من داخل الانهيار، عبر العمل عن بُعد، والمبادرات المحلية، والمشاريع الصغيرة، ومحاولات بناء شبكات بديلة.

غير أن الرسالة النهائية واضحة: قدرة الشباب على الصمود لا يمكن أن تكون بديلاً عن الدولة، ولا عن سياسات اقتصادية واجتماعية جذرية تعيد بناء الثقة وتفتح مسارات إنتاج حقيقية. يترك المقال القارئ أمام سؤال مفتوح، لا بوصفه خاتمة بل كتحدٍ: هل يمتلك لبنان الإرادة لمنح هذا الجيل فرصة حقيقية، أم سيبقى بلا سقف يحمي مستقبله؟

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn