لم يعد منتدى دافوس الاقتصادي العالمي مجرد مساحة للحوار حول النمو والاستثمار بل تحول إلى مختبر فكري يعكس ملامح النظام العالمي الجديد الذي يقوده اقتصاد الخوارزميات وتحكمه موازين القوة بينما تقف التربية فيه على هامش الأولويات مما يطرح سؤالاً جوهرياً حول قدرة العالم على الحفاظ على قيمه الأخلاقية والتربوية في ظل هيمنة رأس المال المعولم والذكاء الاصطناعي.
يشهد العالم اليوم انتقالاً جذرياً من اقتصاد قائم على القرار البشري إلى اقتصاد تقوده النماذج التنبؤية والتداول الخوارزمي وإدارة المخاطر الرقمية وهي أدوات لا تملك أخلاقاً أو وعياً اجتماعياً بل تعمل وفق منطق الكفاءة والسرعة والربح فقط مما يؤدي إلى تراجع الإنسانية كلما زادت عقلانية النظام التقني حيث تُقاس القيم بلغة الأرقام ويُقدم النمو والابتكار على العدالة والإنسان.
تتجلى الهيمنة الأميركية في هذا السياق عبر سيطرتها على شركات التكنولوجيا الكبرى والبنية التحتية الرقمية والمنصات التعليمية مما يحول الخوارزميات إلى أداة قوة ناعمة تحدد ما نراه وما نتعلمه وكيف نفكر ويجعلها نموذجاً قيمياً مستتراً يُصدر للعالم تحت شعار الحياد التكنولوجي بينما الواقع يؤكد أنها تفرض نمطاً استهلاكياً وفكرياً معيناً يخدم مراكز القوة.
في المقابل تبدو النظم التربوية بطيئة وبيروقراطية ومحكومة بمناهج تقليدية لا تواكب التسارع التقني حيث يُدرَّس الأطفال في عالم تتغير مهاراته وتتآكل قيمه باستمرار بينما تُطالب التربية بإنتاج إنسان مرن ونقدي في بيئة لا تكافئ إلا السرعة والامتثال مما حول العملية التعليمية من بناء الإنسان وتشكيل الضمير إلى مجرد إعداد عامل وتلبية احتياجات السوق.
تطرح نقاشات دافوس شعارات براقة مثل الرأسمالية المسؤولة والتنمية المستدامة لكن الواقع يكشف تناقضاً صارخاً يتمثل في اتساع الفجوة الطبقية وتسييس المعرفة وخصخصة القيم حيث يرى فلاسفة الأخلاق أن السوق بلا ضوابط لا يُنتج حرية بل تفاوتًا دائمًا خاصة عندما يتحول المال من وسيلة إلى قيمة عليا تُزاحم القيم الإنسانية وتلغي دورها الجوهري.
تنعكس الصراعات الدولية والحروب وسباق التكنولوجيا مباشرة على ميزانيات التعليم واستقلال الجامعات ومضمون المناهج لتصبح التربية الضحية الأولى غير المعلنة للجيوبوليتيك العالمي ويعيش العالم مفارقة كبرى بين اقتصاد عالمي موحد وقيم أخلاقية مجزأة حيث نُدرّس الأبناء قيم الانتماء ثم نطلقهم في سوق عالمي بلا ذاكرة مما يهدد بإنتاج مجتمع هش وإنسان بلا بوصلة أخلاقية.



